ثمَّ قال: الأمورُ الموجودةُ على ضربين: ضربٍ له الوجودُ الحقُّ، وضربٍ له الوجود، ولكنْ ليس الوجودَ الحقَّ١.
فأمَّا الأمورُ الموجودةُ بالحقِّ، فقد أعطت الأخرى نسبةً من جهة الوجود٢، وارتجعَت منها حقيقةَ ذلك.
فالحاكمُ٣ بالاعتبار الفاحص عن هذه الأسرار؛ إن أصابَ فبنسبةِ الوجود الذي لهذا العالم٤ السفليِّ من ذلك العُلويِّ، وإن أخطأ فبما فات٥ هذا العالَم السفليَّ من ذلك العالم العُلويِّ.
والإصابةُ في هذه الأمور السيَّالة المتبدِّلة عَرَض، والإصابةُ في أمور الفلَك جوهر، وقد يكونُ هناك ما هو كالخطأ، ولكن بالعَرَض لا بالذَّات، كما يكون هاهنا ما هو كالصواب٦ والحقِّ، ولكن بالعَرَض لا بالذَّات؛ فلهذا صحَّ بعضُ الأحكام وبَطَل بعضُها.
ومما يكونُ شاهدًا لهذا: أنَّ العالَم السفليَّ مع تبدُّله في كلِّ حالة،
(١) «وضرب له الوجود ولكن ليس الوجود الحق» ساقط من (ز، س).
(٢) (د، ق): «فأما الأمور الموجودة بالحق فقد أعطت الأخرى نسبة من جهة الوجود الحق فأما الأمور الموجودة بالحق فقد أعطت الأخرى نسبة من جهة الوجود». وهو خطأ وتكرار لا معنى له. والمثبت من (ت) و«المقابسات».
(٣) (ق، ت): «فالحكم». والمثبت من (د) و«المقابسات».
(٤) في الأصول: «الذي هو هذا العالم». والمثبت من «المقابسات».
(٥) في الأصول: «فبافات». وهو تحريف. والمثبت من «المقابسات».
(٦) في الأصول: «لا هو بالصواب». تحريف. والمثبت من «المقابسات».
واستحالته في كلِّ طَرْفٍ ولَمْح، متقيِّلٌ١ لذلك العالَم العُلويِّ، يتحرَّكُ شوقًا إلى كماله، وعشقًا لجماله، وطلبًا للتشبُّه به، وتحقُّقًا بكلِّ ما أمكن من شَكْله، فهو بحقِّ التقيُّل يُعطِي هذا العالَم السفليَّ ما يكونُ به مشابهًا للعالَم العُلويِّ، وبهذا التقيُّل٢ تقيَّلَ الإنسانُ الناقصُ الكاملَ، وتقيَّلَ الكاملُ من البشر المَلَكَ، وتقيَّلَ المَلَكُ الباري جلَّ وعزَّ.
* قال آخر: إنما وجب هذا التقيُّل والتشبُّه لأنَّ وجودَ هذا العالَم وجودٌ متهافتٌ مستحيل، لا صورة له ثابتة، ولا شكلٌ دائم، ولا هيئةٌ معروفة، وكان من هذا الوجه فقيرًا إلى ما يمدُّه ويشدُّه. فأمَّا سِنْخُه٣ فهو موجودٌ وثابتٌ
(١) في الأصول وطبعات «المقابسات»: «متقبل» بالباء الموحدة. وكذا في المواضع التالية. وهو تحريف. والتقيُّل: التشبُّه، تقيَّل فلانٌ أباه: اتَّبعه وأشبهَه وعمل عمله. انظر: «اللسان» و«التاج» (قيل)، و«اللآلي» للبكري (٧٧٤). والفلاسفة ترى أن كمال الإنسان هو بالتشبُّه بالإله على قدر الطاقة، وأن الفلك والمتحرِّكات العُلويَّة إنما تتحرَّك للتشبُّه بمن فوقها. ولذا قيل في حدِّ الفلسفة: هي تقيُّل الإله ما أمكن. انظر: «درء التعارض» (٩/ ٣٢٤)، و«الرد على الشاذلي» (٢٠، ٥٨، ٩٦، ١٣٩)، و«الصفدية» (٢/ ٢٣٣، ٢٣٤)، و«جامع المسائل» (٦/ ١٢٣، ١٢٤)، و«بغية المرتاد» (٢٢٩)، و«الرد على المنطقيين» (٢٢٠)، و«منهاج السنة» (٣/ ٢٨٥)، و«جامع الرسائل» (٢/ ١٨٧)، و«مجموع الفتاوى» (٥/ ٤٦٥، ١٢/ ١٤٥، ١٧/ ٣٢٩)، و«تحقيق ما للهند» للبيروني (٢٢). ولم يتفطن العلامة محمد بن تاويت الطنجي لمدلول هذا اللفظ في تحقيقه لكتاب أبي حيان «أخلاق الوزيرين» (٣٧٦).
(٢) «المقابسات»: «ومن هذا الباب».
(٣) أي: أصله. وأهملت في (د) وكتب ابن بردس فوقها بخطٍّ دقيق: «كذا». وفي (ق): «مسحه». (ت): «سبحه». وهو تحريف. وفي «المقابسات»: «سنخه وسوسه». والسُّوس بمعنى السِّنخ.