مقابِلٌ لذلك العالَم الموجود الثابت، وإنما عرَضَ ما عَرَضَ لأنَّ أحدهما مؤثِّر، والآخَر قابِل، فبحقِّ هذه المرتبة ما وُجِدَ [التبايُن، وبحقِّ تلك المرتبة ما وُجِدَ]١ التواصُل.
* وقال آخر: قد يُغْفِلُ مع هذا كلِّه المنجِّمُ اعتبارَ حركاتٍ كثيرة من أجرامٍ مختلفة؛ لأنه يعجزُ عن نظمِها وتقويمها، ومَزْجِها وتسييرها، وتفصيل أحوالها وتحصيل خواصِّها، مع بُعْد حركة بعضها وقُرب حركة بعضها، وبُطئها وسرعتها، وتوسُّطها والتفاف٢ صُورها، والتباس تقاطعها٣، وتداخُل أشكالها.
ومن الحكمة في هذا الإغفال أنَّ الله تقدَّس اسمُه يُتِمُّ بذلك القَدْر المُغْفَل، والقليل الذي لا يؤبَه له، والكثير الذي لا يُحاوَلُ البحثُ عنه= أمرًا لم يكن في حُسبان الخلق، ولا فيما أعمَلوا فيه القياسَ والتقديرَ والتوهُّم٤.
ولهذا يُحْكِمُ هذا الحاذقُ في صناعته لهذا المَلِك، وهذا الماهرُ في عمله٥ لهذا المَلِك، ثمَّ يلتقيان، فتكونُ الدَّائرةُ على أحدهما، مع شدَّة الوِقاع٦، وصِدْق المِصاع، هذا وقد حُكِمَ له بالظَّفر والغلب.
(١) مستدرك من «المقابسات»، وأظنه سقط لانتقال النظر.
(٢) (ق، د): «والتفاق». (ت): «واتفاق». والمثبت من «المقابسات».
(٣) «المقابسات» (ز، س): «مقاطعها».
(٤) «المقابسات»: «عملوا فيه القياس واختلط بالتقدير والتوهم».
(٥) «المقابسات»: «علمه».
(٦) «المقابسات»: «الدفاع». والوقاع: المواقعة في الحرب. والمِصاع: الجِلاد.
* وقال آخر ــ وهو النُّوشْجاني ــ: إنما يؤتى أحدُ الحاكمَيْن لأحد المَلِكين١ لا من جهة غلطٍ يكونُ في الحساب، ولا من قلَّة مهارةٍ في العمل، ولكنْ يكونُ في طالعه أن لا يصيبَ٢ في ذلك الحكم، ويكونُ في طالع الملك أن لا يصيبَ منجِّمُه في تلك الحرب، فمقتضى حاله وحال صاحبه يحولُ بينه وبين الصواب، ويكونُ الآخرُ مع صحة حسابه وحُسْن إدراكه قد وجبَ في طالع نفسه وطالع صاحبه ضدُّ ذلك، فيقعُ الأمرُ الواجب، ويبطلُ الآخرُ الذي ليس بواجب.
وقد كان المنجِّمان من جهة العلم والحساب أعطيا للصِّناعة حقَّها، ووفَّيا ما عليهما، ووقفا موقفًا واحدًا على غير مزيَّةٍ بيِّنة ولا علَّةٍ قائمة.
* قال آخر: ولولا هذه البقيةُ٣ المندفنة والغايةُ المستترةُ التي استأثر اللهُ بها لكان لا يَعْرِضُ هذا الخطأُ مع صحَّة الحساب، ودقَّة النظر، وشدَّة الغَوْص، وتوخِّي المطلوب، ومع غَلَبة الهوى والميل إلى المحكوم له.
وهذه البقيةُ دائرةٌ في أمور هذا الخَلق فاضلِهم وناقصِهم ومتوسِّطهم، في دقيقها وجليلها، وصعبها وذلولها٤، ومن كان له في نفسه باعثٌ على التصفُّح والنظر والتخبُّر٥ والاعتبار وقفَ على ما أومأتُ إليه وسلَّم.
(١) في الأصول: «المايلين». والمثبت من «المقابسات».
(٢) (ت) و«المقابسات»: «أن يصيب». وهو خطأ.
(٣) «المقابسات»: «الحسنة». (ز، س): «المشيئة».
(٤) (ق) و(ت): «وذكرها». والمثبت من «المقابسات».
(٥) مهملة في (د). (ت): «والتحر». (ق): «والبحر». وفي «المقابسات»: «والتخير». وكله تحريف. والتخبُّر (بالباء الموحدة): الاستخبار. وانظر لاستعمال أبي حيان له: «البصائر والذخائر» (٨/ ١٢٢)، و«الإمتاع والمؤانسة» (٣/ ١٩٤).