مفتاح دار السعادة

* وقال آخر ــ وهو النُّوشْجاني ــ: إنما يؤتى أحدُ الحاكمَيْن لأحد المَلِكين١ لا من جهة غلطٍ يكونُ في الحساب، ولا من قلَّة مهارةٍ في العمل، ولكنْ يكونُ في طالعه أن لا يصيبَ٢ في ذلك الحكم، ويكونُ في طالع الملك أن لا يصيبَ منجِّمُه في تلك الحرب، فمقتضى حاله وحال صاحبه يحولُ بينه وبين الصواب، ويكونُ الآخرُ مع صحة حسابه وحُسْن إدراكه قد وجبَ في طالع نفسه وطالع صاحبه ضدُّ ذلك، فيقعُ الأمرُ الواجب، ويبطلُ الآخرُ الذي ليس بواجب.

وقد كان المنجِّمان من جهة العلم والحساب أعطيا للصِّناعة حقَّها، ووفَّيا ما عليهما، ووقفا موقفًا واحدًا على غير مزيَّةٍ بيِّنة ولا علَّةٍ قائمة.

* قال آخر: ولولا هذه البقيةُ٣ المندفنة والغايةُ المستترةُ التي استأثر اللهُ بها لكان لا يَعْرِضُ هذا الخطأُ مع صحَّة الحساب، ودقَّة النظر، وشدَّة الغَوْص، وتوخِّي المطلوب، ومع غَلَبة الهوى والميل إلى المحكوم له.

وهذه البقيةُ دائرةٌ في أمور هذا الخَلق فاضلِهم وناقصِهم ومتوسِّطهم، في دقيقها وجليلها، وصعبها وذلولها٤، ومن كان له في نفسه باعثٌ على التصفُّح والنظر والتخبُّر٥ والاعتبار وقفَ على ما أومأتُ إليه وسلَّم.

  1. (١) في الأصول: «المايلين». والمثبت من «المقابسات».
  2. (٢) (ت) و«المقابسات»: «أن يصيب». وهو خطأ.
  3. (٣) «المقابسات»: «الحسنة». (ز، س): «المشيئة».
  4. (٤) (ق) و(ت): «وذكرها». والمثبت من «المقابسات».
  5. (٥) مهملة في (د). (ت): «والتحر». (ق): «والبحر». وفي «المقابسات»: «والتخير». وكله تحريف. والتخبُّر (بالباء الموحدة): الاستخبار. وانظر لاستعمال أبي حيان له: «البصائر والذخائر» (٨/ ١٢٢)، و«الإمتاع والمؤانسة» (٣/ ١٩٤).
1325

ولحكمةٍ جليلةٍ ضربَ اللهُ دون هذا العلم١ بالأسداد، وطوى حقائقَه عن أكثر العباد، وذلك أنَّ العلمَ بما سيكونُ ويحدثُ ويُسْتَقْبَلُ علمٌ حُلوٌ عند النفس٢، وله موقعٌ عند العقل، فلا أحدَ إلا وهو يتمنَّى أن يعلمَ الغيب، ويطَّلع عليه، ويدركَ ما سوفَ يكونُ في غدٍ، ويجدَ سبيلًا إليه.

ولو ذُلِّلَ السَّبيلُ٣ إلى هذا الفنِّ لرأيتَ الناسَ يُهْرَعونَ إليه، ولا يُؤْثِرون شيئًا آخر عليه؛ لحلاوة هذا العلم عند الرُّوح، ولُصوقه بالنفس، وغرام كلِّ أحدٍ به، وفتنة كلِّ إنسانٍ فيه.

فبنعمةٍ من الله لم يُفْتَح٤ هذا الباب، ولم يُكشَف دونه الغطاء، حتى يرتعي٥ كلُّ أحدٍ روضَه، ويلزمَ حدَّه، ويرغبَ فيما هو أجدى عليه وأنفعُ له إمَّا عاجلًا وإمَّا آجلًا، فطوى اللهُ عن الخلق حقائقَ الغيب، ونَشَرَ لهم نُبَذًا منه وشيئًا يسيرًا يتعلَّلون به؛ ليكونَ هذا العلمُ محروصًا عليه كسائر العلوم، ولا يكون مانعًا من غيره.

قال: ولولا هذه البقيةُ التي فضحَت الكاملين، وأعجزَت القادرين، لكان تعجُّبُ الخلق من غرائب الأحداث وعجائب الصُّروف٦ وطرائف الأحوال عبثًا وسفهًا، وتوكُّلهم على الله لهوًا ولعبًا.

  1. (١) «المقابسات» (ز، س): «هذه العلل».
  2. (٢) «المقابسات» (ز، س): «خلق للنفس».
  3. (٣) (ت): «ولولا ذلك السبيل».
  4. (٤) في الأصول: «لم يصح». والمثبت من «المقابسات».
  5. (٥) (ق، د): «يرتقي». (ت): «يلتقي». تحريف. والمثبت من «المقابسات».
  6. (٦) «المقابسات» (ز، س): «الضروب».
1326

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي