ولحكمةٍ جليلةٍ ضربَ اللهُ دون هذا العلم١ بالأسداد، وطوى حقائقَه عن أكثر العباد، وذلك أنَّ العلمَ بما سيكونُ ويحدثُ ويُسْتَقْبَلُ علمٌ حُلوٌ عند النفس٢، وله موقعٌ عند العقل، فلا أحدَ إلا وهو يتمنَّى أن يعلمَ الغيب، ويطَّلع عليه، ويدركَ ما سوفَ يكونُ في غدٍ، ويجدَ سبيلًا إليه.
ولو ذُلِّلَ السَّبيلُ٣ إلى هذا الفنِّ لرأيتَ الناسَ يُهْرَعونَ إليه، ولا يُؤْثِرون شيئًا آخر عليه؛ لحلاوة هذا العلم عند الرُّوح، ولُصوقه بالنفس، وغرام كلِّ أحدٍ به، وفتنة كلِّ إنسانٍ فيه.
فبنعمةٍ من الله لم يُفْتَح٤ هذا الباب، ولم يُكشَف دونه الغطاء، حتى يرتعي٥ كلُّ أحدٍ روضَه، ويلزمَ حدَّه، ويرغبَ فيما هو أجدى عليه وأنفعُ له إمَّا عاجلًا وإمَّا آجلًا، فطوى اللهُ عن الخلق حقائقَ الغيب، ونَشَرَ لهم نُبَذًا منه وشيئًا يسيرًا يتعلَّلون به؛ ليكونَ هذا العلمُ محروصًا عليه كسائر العلوم، ولا يكون مانعًا من غيره.
قال: ولولا هذه البقيةُ التي فضحَت الكاملين، وأعجزَت القادرين، لكان تعجُّبُ الخلق من غرائب الأحداث وعجائب الصُّروف٦ وطرائف الأحوال عبثًا وسفهًا، وتوكُّلهم على الله لهوًا ولعبًا.
(١) «المقابسات» (ز، س): «هذه العلل».
(٢) «المقابسات» (ز، س): «خلق للنفس».
(٣) (ت): «ولولا ذلك السبيل».
(٤) في الأصول: «لم يصح». والمثبت من «المقابسات».
(٥) (ق، د): «يرتقي». (ت): «يلتقي». تحريف. والمثبت من «المقابسات».
(٦) «المقابسات» (ز، س): «الضروب».
* فقال آخر: وهذا يتَّضحُ بمثال، وليكن المثالُ أنَّ مَلِكًا في زمانك وبلادك، واسعَ المُلك، عظيمَ الشَّأن، بعيدَ الصِّيت، سابغَ الهيبة١، معروفًا بالحكمة، مشهورًا بالحزم، يضعُ الخيرَ في مواضعه، ويوقِعُ الشرَّ في مواقعه، عنده جزاءُ كلِّ سيئةٍ وثوابُ كلِّ حسنة، قد رتَّب لبريده أصلحَ الأولياء له، وكذلك نَصَبَ لجباية أمواله أقوَمَ الناس بها، وكذلك ولَّى عمارةَ أرضه أنهَض الناس بها، وشرَّفَ آخر بكتابته، وآخر بوزارته، وآخر بنيابته.
فإذا نظرتَ إلى مُلكه وجدتَه مؤزَّرًا٢ بسَداد الرأي ومحمود التدبير، وأولياؤه حواليه، وحاشيتُه بين يديه، وكلٌّ يَخِفُّ إلى ما هو مَنُوطٌ به، ويستقصي طاقتَه ويبذلُ فيه٣، والملكُ يأمرُ وينهى، ويُصْدِرُ ويُورِد، ويثيبُ ويعاقِب.
وقد عَلِمَ صغيرُ أوليائه وكبيرُهم، ووضيعُ رعاياه وشريفُهم، ونَبِيهُ الناس وخاملُهم: أنَّ الأمرَ الذي تعلَّق بكذا وكذا٤ صدَرَ من الملك إلى كاتبه؛ لأنه من جنس الكتابة وعلائقها وما يدخلُ في شرائطها ووثائقها، والأمرَ الآخر صدَرَ إلى صاحب بريده؛ لأنه من أحكام البريد وفُنونه، والأمرَ الآخر أُلقِي إلى صاحب المعونة؛ لأنه من جنس ما هو مرتَّبٌ له منصوبٌ من أجله، والحديثَ الآخر صَدَرَ إلى القاضي؛ لأنه من باب الدِّين والحُكم