وكلُّ هذا مُسَلَّمٌ إلى المَلِك لا يُفْتَاتُ عليه في شيءٍ منه، ولا يُسْتَبدُّ بشيءٍ دونَه، فالأحوالُ على هذا كلُّها جاريةٌ على أذلالها٢ وقواعدها في مجاريها، لا يُرَدُّ شيءٌ منها٣ إلى غير شكله، ولا يرتقي إلى غير طبقته.
فلو وقفَ رجلٌ له من الحزم نصيبٌ ومن اليقظة٤ قِسطٌ على هذا المُلك الجسيم، وتصفَّحَ أبوابَه بابًا بابًا، وحالًا حالًا، وتخلَّل بيتًا بيتًا٥ ورفعَ سَجْفًا سَجْفًا، لأمكنه أن يعلمَ ــ بما يُثْمِرُه٦ له هذا النظر، ويميِّزه له٧ هذا القياس، وأوقعَه عليه٨ هذا الحَدْسُ ــ ما سيفعلُه هذا المَلِكُ غدًا، وما يتقدَّمُ به إلى شهر، وما يكادُ يكونُ منه إلى سنةٍ وسنتين؛ لأنه يَفْلِي الأحوالَ فَلْيًا٩، ويقايِسُ بينها، ويلتقطُ ألفاظَ المَلِك ولحَظاته وإشاراته
(١) «المقابسات» (ز، س): «والقضاء».
(٢) مهملة في (د، ق، ز). وفي (ت): «أدلتها». وهو تحريف. والمثبت من «المقابسات». والأذلال جمع: ذِلٍّ، وهو الطريق الممهَّد بكثرة الوطء.
(٩) مهملة في (د). (ق، ت): «يعلى الأحوال قلنا». والمثبت من «المقابسات». وفي (ز، س): «على الأحوال مليا».
وحركاته، ويقول في بعضها: رأيتُ الملك يقولُ١ كذا وكذا٢ ويفعلُ كذا وكذا، وهذا يدلُّ على كذا وكذا، وإنما جرَّأه هذه الجرأة على هذا الحُكم والبتِّ أنه قد مَلَكَ لَحْظَ المَلِك ولفظَه، وحركتَه وسكونَه، وتعريضَه وتصريحَه، وجدَّه وهزلَه، وشكلَه وسَجِيَّته٣، وتجعُّدَه واسترسالَه، ووُجومَه ونشاطَه، وانقباضَه وانبساطَه، وغضبه ورضاه.
ثمَّ هَجَسَ في نفس هذا المَلِك هاجس، وخطر بباله خاطر، فقال: أريدُ أن أعمَل عملًا، وأُوثِر أثرًا، وأُحدِثَ حالًا، لا يقفُ عليها أوليائي، ولا المطيفون بي٤، ولا المختصُّون بقُربي٥، ولا المتعلِّقون بحِبالي، ولا أحدٌ من أعدائي والمتتبِّعين لأمري والمُحْصِين لأنفاسي، ولا أدري كيف أفتتحُه ولا أقترحه؛ لأنِّي متى تقدَّمتُ في ذلك إلى كلِّ من يلوذُ بي ويطيفُ بناحيتي، كان الأمرُ في ذلك نظيرَ جميع أموري، وهذا هو الفسادُ الذي يلزمني تجنُّبه، ويجبُ عليَّ التيقظُ فيه.
فيقدحُ له الفكرُ الثاقبُ أنه ينبغي أن يتأهَّب للصَّيد ذاتَ يوم، فيتقدَّمُ بذلك، ويذيعُه، فيأخذُ أصحابُه وخاصَّتُه في أُهْبَة ذلك وإعداد الآلة، فإذا تكامَل ذلك له أصْحَر للصَّيد، وتقلَّب٦ في البيداء، وصمَّم على ما يلوحُ له،
(١) في الأصول: «يفعل». والمثبت من «المقابسات».
(٢) «المقابسات» (ز، س): «ويقول في بعضها: يترك كذا وكذا».
(٣) «المقابسات»: «وسحنته». وهي محتملة. والمثبت من الأصول و(ز، س).
(٤) في الأصول: «المطيعون لي». والمثبت من «المقابسات» أشبه.
(٥) (ت): «بقولي». (ق، د): «بقوله». والمثبت من «المقابسات».