مفتاح دار السعادة

وحركاته، ويقول في بعضها: رأيتُ الملك يقولُ١ كذا وكذا٢ ويفعلُ كذا وكذا، وهذا يدلُّ على كذا وكذا، وإنما جرَّأه هذه الجرأة على هذا الحُكم والبتِّ أنه قد مَلَكَ لَحْظَ المَلِك ولفظَه، وحركتَه وسكونَه، وتعريضَه وتصريحَه، وجدَّه وهزلَه، وشكلَه وسَجِيَّته٣، وتجعُّدَه واسترسالَه، ووُجومَه ونشاطَه، وانقباضَه وانبساطَه، وغضبه ورضاه.

ثمَّ هَجَسَ في نفس هذا المَلِك هاجس، وخطر بباله خاطر، فقال: أريدُ أن أعمَل عملًا، وأُوثِر أثرًا، وأُحدِثَ حالًا، لا يقفُ عليها أوليائي، ولا المطيفون بي٤، ولا المختصُّون بقُربي٥، ولا المتعلِّقون بحِبالي، ولا أحدٌ من أعدائي والمتتبِّعين لأمري والمُحْصِين لأنفاسي، ولا أدري كيف أفتتحُه ولا أقترحه؛ لأنِّي متى تقدَّمتُ في ذلك إلى كلِّ من يلوذُ بي ويطيفُ بناحيتي، كان الأمرُ في ذلك نظيرَ جميع أموري، وهذا هو الفسادُ الذي يلزمني تجنُّبه، ويجبُ عليَّ التيقظُ فيه.

فيقدحُ له الفكرُ الثاقبُ أنه ينبغي أن يتأهَّب للصَّيد ذاتَ يوم، فيتقدَّمُ بذلك، ويذيعُه، فيأخذُ أصحابُه وخاصَّتُه في أُهْبَة ذلك وإعداد الآلة، فإذا تكامَل ذلك له أصْحَر للصَّيد، وتقلَّب٦ في البيداء، وصمَّم على ما يلوحُ له،

  1. (١) في الأصول: «يفعل». والمثبت من «المقابسات».
  2. (٢) «المقابسات» (ز، س): «ويقول في بعضها: يترك كذا وكذا».
  3. (٣) «المقابسات»: «وسحنته». وهي محتملة. والمثبت من الأصول و(ز، س).
  4. (٤) في الأصول: «المطيعون لي». والمثبت من «المقابسات» أشبه.
  5. (٥) (ت): «بقولي». (ق، د): «بقوله». والمثبت من «المقابسات».
  6. (٦) «المقابسات» (ز، س): «وتطلب».
1329

وأمعَن وراءه، وركضَ خلفَه جوادَه، ونهى من معه أن يتبعَه، حتى إذا أوغَل في تلك الفِجَاج الخاوية، والمدارج المتنائية، وتباعدَ عن مَتْنِ الجادَّة وَوَضَح المحجَّة، صادفَ إنسانًا، فوقفَ وحاورَه وفاوضَه، فوجده حصيفًا محصِّلًا يتَّقِدُ فهمًا وإفهامًا، فقال له: أفيك خير؟

فقال: نعم، وهل الخيرُ إلا فيَّ وعندي وإلا معي؟! أَلْقِ إليَّ ما بدا لك، وخلِّني وذلك.

فقال له: إنَّ الواقفَ عليك المكلِّمَ لك ملكُ هذا الإقليم، فلا تُرَعْ واهدَأ.

فقال: السعادةُ قيَّضتني لك، والجَدُّ أطلعكَ عليَّ.

فيقول له المَلِك: إني أريدُ أن أصطنعك١ لأربٍ في نفسي، وأبلُغَ بك إن بلَغْتَ لي ذلك، أريدُ أن تكون عينًا لي وصاحبًا لي نصوحًا، واطْوِ سرِّي عن سانِح فؤادك فضلًا عن غيره.

فإذا بلغ منه التَّوثِقة والتَّوكيد ألقى إليه ما يأمره به ويحثُّه على السعي فيه، وأزاحَ علَّتَه في جميع ما يتعلَّقُ المرادُ به، ثمَّ ثنى عنانَ دابته إلى وجه عسكره وأوليائه ولحقَ بهم، فقضى وَطَرَه، ثمَّ عادَ إلى سريره، وليس عند أحدٍ من رهطه وبطانته وغاشيته وخاصَّته وعامَّته علمٌ بما قد أسرَّه إلى ذلك الإنسان.

فبينما الناسُ على مَكِناتهم٢ وغَفَلاتهم إذ أصبحوا ذات يومٍ عن حادثٍ

  1. (١) مهملة في (ق). «المقابسات»: «أصطفيك». والمثبت من (د، ت).
  2. (٢) أمكنتهم. وفي «المقابسات»: «سكناتهم».
1330

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي