مفتاح دار السعادة

وأمعَن وراءه، وركضَ خلفَه جوادَه، ونهى من معه أن يتبعَه، حتى إذا أوغَل في تلك الفِجَاج الخاوية، والمدارج المتنائية، وتباعدَ عن مَتْنِ الجادَّة وَوَضَح المحجَّة، صادفَ إنسانًا، فوقفَ وحاورَه وفاوضَه، فوجده حصيفًا محصِّلًا يتَّقِدُ فهمًا وإفهامًا، فقال له: أفيك خير؟

فقال: نعم، وهل الخيرُ إلا فيَّ وعندي وإلا معي؟! أَلْقِ إليَّ ما بدا لك، وخلِّني وذلك.

فقال له: إنَّ الواقفَ عليك المكلِّمَ لك ملكُ هذا الإقليم، فلا تُرَعْ واهدَأ.

فقال: السعادةُ قيَّضتني لك، والجَدُّ أطلعكَ عليَّ.

فيقول له المَلِك: إني أريدُ أن أصطنعك١ لأربٍ في نفسي، وأبلُغَ بك إن بلَغْتَ لي ذلك، أريدُ أن تكون عينًا لي وصاحبًا لي نصوحًا، واطْوِ سرِّي عن سانِح فؤادك فضلًا عن غيره.

فإذا بلغ منه التَّوثِقة والتَّوكيد ألقى إليه ما يأمره به ويحثُّه على السعي فيه، وأزاحَ علَّتَه في جميع ما يتعلَّقُ المرادُ به، ثمَّ ثنى عنانَ دابته إلى وجه عسكره وأوليائه ولحقَ بهم، فقضى وَطَرَه، ثمَّ عادَ إلى سريره، وليس عند أحدٍ من رهطه وبطانته وغاشيته وخاصَّته وعامَّته علمٌ بما قد أسرَّه إلى ذلك الإنسان.

فبينما الناسُ على مَكِناتهم٢ وغَفَلاتهم إذ أصبحوا ذات يومٍ عن حادثٍ

  1. (١) مهملة في (ق). «المقابسات»: «أصطفيك». والمثبت من (د، ت).
  2. (٢) أمكنتهم. وفي «المقابسات»: «سكناتهم».
1330

عظيم، وخَطْبٍ جسيم، وشأنٍ هائل، فكلٌّ يقولُ عند ذلك١: ما أعجبَ هذا! من فعل هذا؟! متى تهيَّأ هذا؟! هذا صاحبُ البريد ليس عنده منه أثر، هذا صاحبُ المعونة وهو عن الخبر بمَعْزِل، وهذا الوزيرُ الأكبر وهو متحيِّر، وهذا القاضي وهو متفكِّر، وهذا حاجبُه وهو ذاهل. وكلُّهم عن الأمر الذي دَهَمَ غافل. وقد قضى الملكُ مأربتَه، وأدرك حاجتَه، وطلب بغيتَه، ونال غَرَضَه.

فكذلك ينظرُ المنجِّمُ إلى زُحَل والمشتري والمرِّيخ والشَّمس والقمر وعطارد والزُّهَرة، وإلى البروج وطبائعها، والرأس والذَّنب وتقاطعهما، والهِيلاج والكَدْخُداه٢، وإلى جميع ما دانى هذا وقارَبه٣ وكان له فيه نتيجةٌ وثمرة، فيحسبُ ويمزجُ ويرسُم، وتنقلبُ عليه أشياء كثيرةٌ من سائر الكواكب التي لها حركاتٌ بطيئةٌ وآثارٌ مَطْويَّة، فينبعثُ مما٤ أهملَه وأغفلَه وأضرَبَ عنه ولم يتَّسع له= ما يملكُ عليه حِسَّه وعقلَه وفِكرَه ورويَّته، حتى لا يدري مِن أين أُتِي؟ ومِن أين دُهِي؟ وكيف انفرَج٥ عليه الأمر، وانسدَّ

  1. (١) في الأصول: «فكل يقول ذلك عند ذلك».
  2. (٢) (ق، د): «الكامداه». (ت): «الكاملان». وهو تحريف. والمثبت من «المقابسات». والهيلاج والكدخداه: كوكبا المولود. فالأول لرزقه والثاني لعمره؛ فإن ولد في صعوده كان زائدًا فيه، وإن كان في هبوطه كان بعكسه، في زعم المنجمين. انظر: «قصد السبيل» (٢/ ٣٨٦)، و«مفاتيح العلوم» (٢٠٣)، و«شرح المختار من لزوميات أبي العلاء» للبطليوسي (١/ ١٤٢)، و«الفهرست» (٣٧٥، ٣٨٣، ٣٨٦)، و«ديوان ابن الرومي» (٢/ ٤٩٠).
  3. (٣) (ق، د): «وقارنه». وفي (ت): «وفاته». والمثبت من «المقابسات».
  4. (٤) في الأصول: «فيما». والمثبت من «المقابسات». وفي (ز، س): «بما».
  5. (٥) «المقابسات» (ز، س): «امتزج».
1331

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي