مفتاح دار السعادة

عليه، ويكونُ هذا منه دليلًا على مُلكه واستبداده، وعلى تصرُّفه وقدرته.

* وقال آخر: لمَّا كان صاحبُ علم النجوم يريدُ أن يقفَ على أحداث الزمان ومستقبل الوقت، من خيرٍ وشرٍّ، وخِصْبٍ وجَدْب، وسعادةٍ ونَحْس، وولايةٍ وعزل، ومقامٍ وسفر، وغمٍّ وفرح، وفقرٍ ويسار، ومحبةٍ وبغض، وجِدَةٍ وعُدْم١، وعافيةٍ وسقم، وأُلفةٍ وشتات، وكسادٍ ونَفَاق، وإصابةٍ وإخفاق، وحياةٍ وممات، وهو إنسانٌ ناقصٌ في الأصل؛ لأنَّ نقصانَه بالطبع، وكمالَه بالعَرَض، ومع هذه الحال المحطوطة بالسِّنخ٢، المَؤوفة بالطين٣، قد بارى بارئَه، ونازعَ ربَّه، وتتبَّع غيبه، وتخلَّل حكمَه، وعارضَ مالكَه= حَرَمَه الله فائدةَ هذا العلم، وصرَفَه عن الانتفاع به، والاستثمار٤ من شجرته، وأضافَه إلى من لا يحيطُ بشيءٍ منه ولا يتحلى بشيءٍ فيه٥، ونظَمَه في باب القسر والقهر٦، وجعلَ غايةَ سعيه فيه الخيبة، ونهايةَ علمه به الحيرة، وسلَّطَ عليه في صناعته الظَّنَّ والحَدْس، والحيلةَ والزَّرْق، والكذبَ والخَتْل٧.

  1. (١) في الأصول: «وجدة وعدم ووجدان». والمثبت من «المقابسات».
  2. (٢) أي: بالأصل.
  3. (٣) يشبه رسمها في الأصول: «المعروفة بالظن». وفي «المقابسات»: «المؤفة بالطين». (ز، س): «المزوقة بالطين». ولعل الصواب ما أثبت. يعني: الفاسدة بتركيبها الطيني. وأبو حيان كثير الحمل على الطين في كتبه!
  4. (٤) «المقابسات»: «والاستمتاع».
  5. (٥) مهملة في (د). (ت): «يتجلى». (ق): «يخل». والمثبت أشبه.
  6. (٦) «المقابسات»: «لا يحيط بشيء منه ونظمه في باب القسر والقهر». (ز، س): «لا يحيط بشيء منه ولا تجلى بشيء في باب القهر والقسر».
  7. (٧) «المقابسات»: «والحيل». والمثبت من (ز، س) والأصول.
1333

ولو شئتُ لذكرتُ لك من ذلك صَدْرًا، وهو مثبوتٌ١ في الكتب، ومنثورٌ٢ في المجالس، ومتداولٌ بين الناس.

فلذلك وأشباهه حَطَّ رتبتَه، وردَّه على عقبيه؛ ليعلمَ أنه لا يعلمُ إلا ما عُلِّم، وأنه ليس له أن يتمطَّى بما عَلِمَ على ما جَهِل؛ فإنَّ الله سبحانه لا شريك له في غيبه، ولا وزير له في ربوبيَّته، وأنه يُؤنِسُ بالعلم ليطاعَ ويُعْبَد، ويُوحِشُ بالجهل ليُفْزَعَ إليه ويُقْصَد، عزَّ ربًّا، وجلَّ إلهًا، وتقدَّس مشارًا إليه، وتعالى معتمَدًا عليه.

* وقال آخر ــ وهو العروضي ــ: قد يقوى هذا العلمُ في بعض الدَّهر حتى يُشْغَفَ به، ويُدانَ بتعلُّمه، بقوَّةٍ سماوية، وشكلٍ فلَكيّ، فيكثرُ الاستنباطُ والبحث، وتشتدُّ العنايةُ والفكر، فتغلبُ الإصابةُ حتى يزول الخطأ.

وقد يضعفُ هذا العلمُ في بعض الدَّهر، فيكثرُ الخطأُ فيه بشكلٍ آخر٣ يقتضي ذلك، حتى يسقُط النظرُ فيه، ويحرُم البحثُ عنه، ويكون الدينُ حاظرًا للطلب والحكم به.

وقد يعتدلُ الأمرُ في دهرٍ آخر حتى يكون الخطأُ في قَدْر٤ ذلك الصواب والصوابُ في قَدْر الخطأ، وتكون الدواعي والصوارفُ متكافئة، ويكون الدينُ لا يحثُّ عليه كلَّ الحثِّ، ولا يحظُر على طالبه كلَّ الحظر.

  1. (١) «المقابسات»: «مبثوث».
  2. (٢) «المقابسات» (ز، س): «ومنشور».
  3. (٣) «المقابسات»: «لشكل آخر».
  4. (٤) «المقابسات»: «في وزن».
1334

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي