يكثُر الصوابُ فيها والخطأ، ويتقاربان، ومتى وقفَ الأمرُ على هذا الحدِّ لم يثبت على قضاءٍ١ ولم يُوثق بجواب٢.
* وقال آخر: إنَّ الله تعالى وتقدَّس اخترعَ هذا العالَم وزيَّنه، ورتَّبه وحسَّنه، ووشَّحه ونظَّمه، وهذَّبه وقوَّمه، وأظهرَ عليه البهجةَ وأبطنَ في أثنائه٣ الحكمة، وحفَّه بكلِّ ما طَبَا العقولَ٤ إلى تصفُّحه ومعرفته، وحشَاه بكلِّ ما حاشَ النفوسَ٥ إلى علمه وتقليبه والتعجُّب من أعاجيبه، وأمتَع الأرواحَ بمحاسنه، وأودعه أمورًا، واستخزنه٦ أسرارًا، ثمَّ حرَّك الألبابَ عليها حتى استثارتها ولَقَطَتها، وأحبَّتها٧ وعَشِقَتها ووَلِهَت٨ عليها؛ لأنها عرفَت بها ربَّها وخالقَها وإلاهَها وواضعَها وصانعَها وحافظَها وكافلَها.
ثمَّ إنه تعالى مَزَجَ بعضَ ما فيه ببعض، وركَّب بعضَه على بعض، ونسجَ بعضَه في بعض، وأمدَّ بعضَه من بعض، وأحالَ بعضَه إلى بعض، بوسائط من أشخاصٍ وأجناسٍ وطبائع وأنفسٍ وعلومٍ وعقول، وتصرَّف في ملكه بقدرته
(١) «المقابسات» و«أخبار الحكماء»: «على قول قضاء».
(٢) في «المقابسات»: «فقال أبو سليمان [المنطقي السجستاني]: هذا أحسن ما يمكن أن يقال في هذا الباب».
(٣) في الأصول: «اثباته». (ز، س): «أفنائه». والمثبت من «المقابسات».
(٤) أي: دعاها واستمالها. «التاج» (طبو). ولم تحرر في الأصول.
(٨) في الأصول: «ودارت». وهو تحريف. والمثبت من «المقابسات».
وجُوده وحكمته، لا مَعِيبَ الفضل، ولا معدومَ الاختيار١، ولا مردودَ الحكمة٢، ولا مجحودَ الذَّات، ولا محدود٣ الصفات، سبحانه.
وهو مع هذا كلِّه لم يستفد شيئًا، ولم ينتفع بشيء، بل استفاد منه كلُّ شيء، وانتفع به كلُّ شيء، وبلغَ غايتَه كلُّ شيء، بحسب مادَّته المنقادة، وصورته المعتادة، ولم يثبُت بشيء، وثبت به كلُّ شيء، فهو الفاعلُ القادرُ الجوادُ الواهب، والمُنِيلُ المُفْضِل٤، والأولُ السابق.
فلمَّا كان الباحثُ عن العالَم العُلويِّ بتصفُّح سكَّانه٥، ومعرفة آثاره ومواقعه وأسراره، متعرِّضًا لأن يكون مشابهًا٦ لبارئه، مناسبًا لربِّه بهذا الوجه المعروف= استحال أن يستفيد بعلمه، كما استحال أن يستفيد خالقُه بفعله؛ لأنَّ نعتَه لَصِقَ به٧، وحكمَه لَزِمَه، وحِلْيتَه٨ بدت منه، وصفتَه عادت عليه.
وهذه حالٌ إذا فَطِنَ لها، وأشرفَ ببصيرةٍ ثاقبةٍ عليها، وتحقَّق بحقيقتها، وترقَّى٩ للخبرة بسَنيِّ ما فيها، علم اضطرارًا عقليًّا أنها أجلُّ وأعلى وأنفس