مفتاح دار السعادة

وجُوده وحكمته، لا مَعِيبَ الفضل، ولا معدومَ الاختيار١، ولا مردودَ الحكمة٢، ولا مجحودَ الذَّات، ولا محدود٣ الصفات، سبحانه.

وهو مع هذا كلِّه لم يستفد شيئًا، ولم ينتفع بشيء، بل استفاد منه كلُّ شيء، وانتفع به كلُّ شيء، وبلغَ غايتَه كلُّ شيء، بحسب مادَّته المنقادة، وصورته المعتادة، ولم يثبُت بشيء، وثبت به كلُّ شيء، فهو الفاعلُ القادرُ الجوادُ الواهب، والمُنِيلُ المُفْضِل٤، والأولُ السابق.

فلمَّا كان الباحثُ عن العالَم العُلويِّ بتصفُّح سكَّانه٥، ومعرفة آثاره ومواقعه وأسراره، متعرِّضًا لأن يكون مشابهًا٦ لبارئه، مناسبًا لربِّه بهذا الوجه المعروف= استحال أن يستفيد بعلمه، كما استحال أن يستفيد خالقُه بفعله؛ لأنَّ نعتَه لَصِقَ به٧، وحكمَه لَزِمَه، وحِلْيتَه٨ بدت منه، وصفتَه عادت عليه.

وهذه حالٌ إذا فَطِنَ لها، وأشرفَ ببصيرةٍ ثاقبةٍ عليها، وتحقَّق بحقيقتها، وترقَّى٩ للخبرة بسَنيِّ ما فيها، علم اضطرارًا عقليًّا أنها أجلُّ وأعلى وأنفس

  1. (١) «المقابسات»: «مقلي الاختيار». ولعلها: مذموم الاختيار.
  2. (٢) «المقابسات»: «الحكم».
  3. (٣) «المقابسات»: «مجحود».
  4. (٤) (ت): «المتفضل».
  5. (٥) (ت): «أشكاله».
  6. (٦) في الأصول: «مثبتا بها». وهو تحريف. والمثبت من «المقابسات».
  7. (٧) العبارة غير محررة في الأصول. وأثبتها من «المقابسات».
  8. (٨) (ق، ت): «وكليته». وهو تحريف. والمثبت من (د) و«المقابسات».
  9. (٩) «المقابسات»: «وتؤتي». (ز، س): «وتولى».
1337

وأسمى وأدومُ وأبقى من جميع فوائد سائر العلوم١ التي حازها أولئك العالِمون؛ لأنَّ أولئك أعمَلوا فوائدَ علومهم فيما حَفِظ عليهم حدَّ الإنسان وخَلْقَه وعادته وشهوتَه٢ وراحتَه في اجتلاب نفعٍ ودفع ضرر، ونقصَت رتبتُهم عن مشابهته ومناسبته، والتشبُّه بخاصَّته، والتحلِّي بحِلْيته، ولذلك جَبَر اللهُ نقصَهم في علمهم بفوائدَ نالوها، ومنافعَ أحرزوها٣.

فأمَّا من أرادَ معرفةَ هذه الخفايا والأسرار من هذه الأجرام والأنوار على ما هُيِّئت له ونُظِمَت عليه، فهو حريٌّ جديرٌ أن يعرى من جميع ما وجده صاحبُ كلِّ علمٍ في علمه من المرافق والمنافع، ويفردَ بالحكم٤ من رتبها على ما هي عليه، غيرَ مستفيدٍ بذلك فائدةً ولا جدوى.

وهذه لطيفةٌ شريفة، متى وُقِفَ عليها حقَّ الوقوف، وتُقبِّلت حقَّ التقبُّل، كان المدركُ لها أجلَّ من كلِّ فائتٍ وإن عزَّ؛ لأنها بشريَّةٌ صارت إلهيَّة، وجسميَّةٌ استحالت رُوحانيَّة، وطينيَّةٌ انقلبت نُوريَّة، ومركَّبٌ عاد بسيطًا، وجزءٌ استحال كُلًّا، وهذا أمرٌ قلَّما يهتدى إليه ويتنبَّه عليه.

* وقال آخر ــ وهو أبو سليمان المنطقي، وقد سأله أبو حيَّان تلميذُه عن هذه الأجوبة وما فيها من حقٍّ وباطل ــ: إنَّ هاهنا أنفسًا خبيثة، وعقولًا رديَّة، ومعارفَ خسيسة، لا يجوزُ لأربابها أن يَنْشَقُوا ريحَ الحكمة، أو يتطاولوا إلى

  1. (١) في الأصول: «سابق العلوم». وهو تحريف. والمثبت من «المقابسات».
  2. (٢) (ق، د): «وخلقه وعادته وخلقه وشهوته».
  3. (٣) في الأصول: «خبروها». (ز): «أخبروها». (س): «حازوها». والمثبت من «المقابسات».
  4. (٤) (د): «وتفرد بالحكم». (ت): «وتفرد بالحلم». وفي «المقابسات»: «وينفرد بحكم».
1338

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي