مفتاح دار السعادة

وأسمى وأدومُ وأبقى من جميع فوائد سائر العلوم١ التي حازها أولئك العالِمون؛ لأنَّ أولئك أعمَلوا فوائدَ علومهم فيما حَفِظ عليهم حدَّ الإنسان وخَلْقَه وعادته وشهوتَه٢ وراحتَه في اجتلاب نفعٍ ودفع ضرر، ونقصَت رتبتُهم عن مشابهته ومناسبته، والتشبُّه بخاصَّته، والتحلِّي بحِلْيته، ولذلك جَبَر اللهُ نقصَهم في علمهم بفوائدَ نالوها، ومنافعَ أحرزوها٣.

فأمَّا من أرادَ معرفةَ هذه الخفايا والأسرار من هذه الأجرام والأنوار على ما هُيِّئت له ونُظِمَت عليه، فهو حريٌّ جديرٌ أن يعرى من جميع ما وجده صاحبُ كلِّ علمٍ في علمه من المرافق والمنافع، ويفردَ بالحكم٤ من رتبها على ما هي عليه، غيرَ مستفيدٍ بذلك فائدةً ولا جدوى.

وهذه لطيفةٌ شريفة، متى وُقِفَ عليها حقَّ الوقوف، وتُقبِّلت حقَّ التقبُّل، كان المدركُ لها أجلَّ من كلِّ فائتٍ وإن عزَّ؛ لأنها بشريَّةٌ صارت إلهيَّة، وجسميَّةٌ استحالت رُوحانيَّة، وطينيَّةٌ انقلبت نُوريَّة، ومركَّبٌ عاد بسيطًا، وجزءٌ استحال كُلًّا، وهذا أمرٌ قلَّما يهتدى إليه ويتنبَّه عليه.

* وقال آخر ــ وهو أبو سليمان المنطقي، وقد سأله أبو حيَّان تلميذُه عن هذه الأجوبة وما فيها من حقٍّ وباطل ــ: إنَّ هاهنا أنفسًا خبيثة، وعقولًا رديَّة، ومعارفَ خسيسة، لا يجوزُ لأربابها أن يَنْشَقُوا ريحَ الحكمة، أو يتطاولوا إلى

  1. (١) في الأصول: «سابق العلوم». وهو تحريف. والمثبت من «المقابسات».
  2. (٢) (ق، د): «وخلقه وعادته وخلقه وشهوته».
  3. (٣) في الأصول: «خبروها». (ز): «أخبروها». (س): «حازوها». والمثبت من «المقابسات».
  4. (٤) (د): «وتفرد بالحكم». (ت): «وتفرد بالحلم». وفي «المقابسات»: «وينفرد بحكم».
1338

غرائب الفلسفة، والنهيُ ورَد من أجلهم، وهو حقٌّ.

فأمَّا النفوسُ التي قوتُها الحكمة، وبُلْغَتُها العلم، وعُدَّتها الفضائل، وعقدتُها١ الحقائق، وذُخْرُها الخيرات، وعادتُها المكارم، وهِمَّتُها المعالي، فإن النهي لم يوجَّه إليها، والعتبَ٢ لم يوقَع عليها. كيف يكونُ ذلك، وقد بان بما تكرر من القول أنَّ فائدةَ هذا العلم أجلُّ فائدة، وثمرته أحلى ثمرة٣، ونتيجته أشرفُ نتيجة؟!

فليكن هذا كلُّه كافًّا عن سوء الظنِّ، وكافيًا لك فيما وقع فيه القول وطالَ بين هؤلاء السَّادة الجَحاجِحَة٤ في العلم والفهم والبيان والنصح٥». انتهت الحكاية٦.

فليتأمَّل من أنعمَ اللهُ عليه بالعقل والعلم والإيمان، وصانَه عن تقليد هؤلاء وأمثالهم من أهل الحَيرة والضلال= ما في هذه المحاورة، وما انطوت عليه من اعترافهم بغاية علمهم ومستقرِّ أقدامهم فيه، وما حكموا به على أنفسهم من مقتضى حكمة الله فيهم أن يَسْلُبَهم ثمرات علوم الناس وفوائدَها، وأن يكسُوهم لباسَ الخَيبة وقَهْر الناس لهم وإذلالهم إيَّاهم، وأن يجعَل نصيبَ كلِّ أحدٍ من العلم والسعادة فوق نصيبهم٧، وأن يجعَل

  1. (١) «المقابسات»: «وعقيدتها». والمثبت من الأصول و(ز، س).
  2. (٢) «المقابسات» (ز، س): «والعيب».
  3. (٣) (ق، ت): «أجل ثمرة». والمثبت من (د) و«المقابسات».
  4. (٤) جمع: جَحجاح. وهو السيد الكريم.
  5. (٥) «المقابسات» (ز، س): «والتصفح».
  6. (٦) وانظر لرأي أبي حيان في التنجيم ما مضى (ص: ١٢٠٦) والتعليق عليه.
  7. (٧) من قوله: «وأن يجعل نصيب» إلى هنا ليس في (ت).
1339

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي