مفتاح دار السعادة

غرائب الفلسفة، والنهيُ ورَد من أجلهم، وهو حقٌّ.

فأمَّا النفوسُ التي قوتُها الحكمة، وبُلْغَتُها العلم، وعُدَّتها الفضائل، وعقدتُها١ الحقائق، وذُخْرُها الخيرات، وعادتُها المكارم، وهِمَّتُها المعالي، فإن النهي لم يوجَّه إليها، والعتبَ٢ لم يوقَع عليها. كيف يكونُ ذلك، وقد بان بما تكرر من القول أنَّ فائدةَ هذا العلم أجلُّ فائدة، وثمرته أحلى ثمرة٣، ونتيجته أشرفُ نتيجة؟!

فليكن هذا كلُّه كافًّا عن سوء الظنِّ، وكافيًا لك فيما وقع فيه القول وطالَ بين هؤلاء السَّادة الجَحاجِحَة٤ في العلم والفهم والبيان والنصح٥». انتهت الحكاية٦.

فليتأمَّل من أنعمَ اللهُ عليه بالعقل والعلم والإيمان، وصانَه عن تقليد هؤلاء وأمثالهم من أهل الحَيرة والضلال= ما في هذه المحاورة، وما انطوت عليه من اعترافهم بغاية علمهم ومستقرِّ أقدامهم فيه، وما حكموا به على أنفسهم من مقتضى حكمة الله فيهم أن يَسْلُبَهم ثمرات علوم الناس وفوائدَها، وأن يكسُوهم لباسَ الخَيبة وقَهْر الناس لهم وإذلالهم إيَّاهم، وأن يجعَل نصيبَ كلِّ أحدٍ من العلم والسعادة فوق نصيبهم٧، وأن يجعَل

  1. (١) «المقابسات»: «وعقيدتها». والمثبت من الأصول و(ز، س).
  2. (٢) «المقابسات» (ز، س): «والعيب».
  3. (٣) (ق، ت): «أجل ثمرة». والمثبت من (د) و«المقابسات».
  4. (٤) جمع: جَحجاح. وهو السيد الكريم.
  5. (٥) «المقابسات» (ز، س): «والتصفح».
  6. (٦) وانظر لرأي أبي حيان في التنجيم ما مضى (ص: ١٢٠٦) والتعليق عليه.
  7. (٧) من قوله: «وأن يجعل نصيب» إلى هنا ليس في (ت).
1339

رزقَهم من أبواب الكذب والظنِّ والزَّرْق، وهو أخبثُ مكاسب العالَم، ومكسبُ البغايا وأرباب المواخير خيرٌ من مكاسب هؤلاء؛ لأنهم كسبوها بذنوبٍ وشهوات، وهؤلاء اكتسبوا ما اكتسبوه بالكذب على الله وادِّعاء ما يعلمون هم كَذِبَ أنفسهم فيه.

والعجبُ شهادتُهم على أنفسهم أنَّ حكمة الله سبحانه اقتضت ذلك فيهم لتعاطيهم مشاركتَه في غيبه، والاطلاعَ على أسرار مملكته، وتعدِّيهم طورَ العبوديَّة التي هي سِمَتُهم إلى طور الربوبيَّة الذي لم يجعل لأحدٍ سبيلًا إليه!

فاقتضت حكمةُ العزيز الحكيم أنْ عامَلهم بنقيض قُصودهم١ وعكس مُراداتهم، وجعلِ كلَّ واحدٍ فوقهم في كلِّ ملَّة، ورميِ الناس باللسان العامِّ والخاصِّ لهم بأنهم أكذبُ النَّاس، فإنهم هم الزنادقةُ الدَّهريةُ أعداء الرسل٢ وسوسُ المُلك٣، وأنَّ طالعَهم على من حَسَّنَ الظنَّ بهم وتقيَّد بأحكامهم في حركاته وسكناته وتدبيره شرُّ طالع، والمُلكُ والولايةُ المَسُوسُ بهم أذلُّ ملكٍ وأقلُّه، ومن له شيءٌ من تجارب الأمم وأخبار الدُّول والوزراء وغيرهم فعنده من العلم بهذا ما ليس عند غيره.

ولهذا الملوكُ والخلفاءُ والوزراءُ الذين لهم قبولٌ في العالم وصِيتٌ ولسانُ صدقٍ هم أعداءُ هؤلاء الزنادقة، كالمنصور٤، والرشيد، والمهدي،

  1. (١) (ت، ص): «مقصودهم».
  2. (٢) (ت، ص): «هم الزنادقة والدهرية وأعداء الرسل».
  3. (٣) (د، ق): «الملل».
  4. (٤) كذا ذكر المصنف ﵀. وفيه نظر. فقد تقدم (ص: ١٢٠٢) خبر إحضاره المنجمين عند بناء بغداد، بل ذُكِر أنه أوَّل خليفةٍ قرَّب المنجمين وعمل بأحكام النجوم، وأنه كان كلفًا بها محبًّا لأهلها. انظر: «مروج الذهب» (٥/ ٢١١)، و«طبقات الأمم» (٢١٣، ٢١٦)، و«أخبار الحكماء» (٣٧٤، ٣٧٥، ٥٤٢)، و«تاريخ الخلفاء» (٢٤)، و«فرج المهموم» (٨٦).
1340

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي