وأعجبُ من هذا كلِّه تشكُّلُ الفلَك بشكلٍ وحصولُ طالعِ سعدٍ فيه باتفاق ملئكم، فيحدُث معه مِن علوِّ كلمة مَن لا تعبؤون به١ ولا تعدُّونه، وظهورِ أمرهم، واستيلائهم على المملكة والرياسة والعزِّ والجاه٢، ولَهَجِهم بذمِّكم٣ وعَيبكم وإبداء جهلكم وزندقتكم وإلحادكم، فتحتاجون٤ أن تَنْضَوُوا إليهم، وتعتصموا بحبلهم، وتترَّسوا بهم، وتقولون لهم بألسنتكم ما تنطوي قلوبُكم على خلافه، مما لو أظهرتموه لكنتم حصائدَ سيوفهم كما صرتُم حصائدَ ألسنتهم.
فأيُّ سعدٍ في هذا الطالع لعمري، أم أيُّ خيرٍ فيه؟!
وليت شعري، كيف لم يوجب لكم هذا الطالعُ بارقةً من سعادة، أو لائحًا من عزٍّ وقبول؟!
ولكن هذه حكمةُ ربِّ الطالع٥، ومدبِّر الفلَك وما حواه، ومسخِّر الكواكب ومجريها على ما يشاءُ سبحانه، أنْ جعَلكم كالذِّمَّة٦، بل أذلَّ منهم، تحت قهر عبيده، وجعل سهامَ سعادتهم من كلِّ خيرٍ وعلمٍ ورياسةٍ وجاهٍ أوفرَ من سِهامكم، وبيوتَ شرَفهم في هذا العالم أعمرَ من بيوتكم، بل خرَّبَ بيوتكم بأيديهم، فلا ينعمرُ منها بيتٌ إلا بالانضمام إليهم والانتماء إلى
وهذا شأنُ العزيز الحكيم في الكذَّابين عليه؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾[الأعراف: ١٥٢]. قال أبو قلابة: «هي لكلِّ مفترٍ من هذه الأمة إلى يوم القيامة»١.
وهذه المحاورةُ التي جرت بين أصحاب هذا المَجْمَع٢ هي غايةُ ما يمكنُ النجوميَّ أن يقولَه، ولا يَصِلُ إلى ذلك إلا المبرِّزون منهم، ومع هذا فقد رأيتَ حاصلَها ومضمونَها، ولعلهم أن لو عَلِمُوا أنَّ هذه الكلمات تُنقَل٣ من جماعتهم، وتتصلُ بأهل الإيمان، لم ينطقوا منها ببنتِ شَفَة، ويأبى اللهُ إلا أن يفضحَ المفتري الكذَّاب ويُنْطِقَه بما يبيِّن باطلَه.
فصل
قال صاحبُ الرِّسالة:
«ذِكْرُ جُمَلٍ من احتجاجهم والاحتجاج عليهم
مِن أوكد ما يستدلُّون به على أنَّ الكواكبَ تفعلُ في هذا العالَم، أو لها دلالةٌ على ما يحدثُ فيه: أنهم امتحنوا عدةَ مواليد صحَّحوا طوالَعها،
(١) أخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (٢/ ٢٣٦)، والطبري (١٣/ ١٣٥). وأخرجه أبو القاسم البغوي في «الجعديات» (١/ ٣٥٨)، واللالكائي في «السنة» (٢٨٩) عن أيوب. وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٧/ ٢٨٠) عن سفيان بن عيينة.