مفتاح دار السعادة

تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥]، وقوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات: ٤]، قال بعضهم: المرادُ هذه الكواكب١.

النوع الثالث: الآياتُ الدالةُ على أن في الأيام ما يكون نحسًا، كقوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩]٢.

النوع الرابع: الآياتُ الدالةُ على أنه تعالى وضعَ حركات هذه الأجرام على وجهٍ يُنتَفَعُ بها في مصالح هذا العالَم؛ فقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥]، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١].

النوع الخامس: أنه تعالى حكى عن إبراهيم ﵇ أنه تمسَّك بعلوم النجوم، فقال: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ٨٨ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٨ - ٨٩].

النوع السادس: أنه قال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧]، ولا يكونُ المرادُ من هذا كِبَرَ الجُثَّة؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ يعلمُ ذلك، فوجبَ أن يكون المرادُ كِبَرَ القَدْرِ والشَّرف.

  1. (١) يحكى عن معاذ بن جبل. ولا يصح. انظر: «النكت والعيون» (٦/ ١٩٤)، و«تفسير السمعاني» (٦/ ١٤٦)، و«البحر المحيط» (٨/ ٤١٢).
  2. (٢) النوع الثالث سقط من (ق).
1348

وقال تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، ولا يجوزُ أن يكون المرادُ أنه تعالى خلقها ليُستَدلَّ بتركيبها وتأليفها على وجود الصَّانع؛ لأنَّ هذا القَدْرَ حاصلٌ في تركيب البَقَّة والبعوضة، ودلالةُ حصول الحياة١ في بِنْية الحيوانات على وجود الصَّانع أقوى من دلالة تركيب الأجرام الفلَكيَّة على وجود الصَّانع؛ لأنَّ الحياةَ لا يَقْدِرُ عليها أحدٌ إلا الله، أما تركيبُ الأجسام وتأليفُها فقد يقدرُ على جنسه غيرُ الله.

فلمَّا كان هذا النوعُ من الحكمة حاصلًا في غير الأفلاك، ثم إنه تعالى خصَّها بهذا التشريف، وهو قولُه: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ = عَلِمنا أنَّ له تعالى في تخليقها أسرارًا عالية، وحِكَمًا بالغة، تتقاصرُ عقولُ البشر عن إدراكها.

ويَقْرُبُ من هذه الآية قولُه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧]؛ ولا يمكنُ أن يكونَ المرادُ أنه تعالى خلقها على وجهٍ يمكنُ الاستدلالُ بها على وجود الصَّانع الحكيم؛ لأنَّ كونها دالةً على الافتقار إلى الصَّانع أمرٌ ثابتٌ لها لذاتها؛ لأنَّ كلَّ متحيِّزٍ فإنه مُحْدَث، وكلَّ مُحْدَثٍ فإنه مفتقرٌ إلى الفاعل، فثبت أنَّ دلالةَ المتحيِّزات على وجود الفاعل أمرٌ ثابتٌ لها لذواتها وأعيانها، وما كان كذلك لم يكن سببَ الفعل والجَعْل، فلم يمكن٢ حملُ قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا

  1. (١) في الأصول: «وفي حصول الحياة». والمثبت من «روح المعاني» (١٢/ ١٠٣).
  2. (٢) في الأصول: «يكن». والمثبت من (ط).
1349

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي