السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ على هذا الوجه، فوجب حملُه على الوجه الذي ذكرناه.
النوع السابع: رُوِي أنَّ عمر بن الخيَّام١ كان يقرأ كتابَ «المِجَسْطي»٢ على أستاذه، فدخلَ عليهم واحدٌ من أجلاف المتفقِّهة، فقال لهم: ماذا تقرؤون؟ فقال عمرُ بن الخيَّام: نحن في تفسير آيةٍ من كتاب الله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾[ق: ٦]، فنحن ننظرُ كيف خلقَ السماء، وكيف بناها، وكيف صانها عن الفُروج.
النوع الثامن: أنَّ إبراهيم ﵇ لما استدلَّ على إثبات الصَّانع تعالى بقوله: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾[البقرة: ٢٥٨]، قال له نمرود: أتدَّعي أنه يحيي ويميتُ بواسطة الطبائع والعناصر، أو لا بواسطة هذه الأشياء؟ فإن ادعيتَ الأول فذلك مما لا تجده البتَّة؛ لأنَّ كلَّ ما يحدُث في هذا العالم فإنما يحدُث بواسطة أحوال العناصر الأربعة والحركات الفلَكيَّة. وإذا ادعيتَ الثاني فمثلُ هذا الإحياء والإماتة حاصلٌ مني ومن كلِّ أحد؛ فإنَّ الرجلَ قد يكونُ سببًا٣ لحدوث الولد لكن بواسطة تمزيج الطبائع
(٢) لبَطْليموس، في علم الهيئة وحركات النجوم، ثلاث عشرة مقالة، تناوله من بعده بالشرح والاختصار والتقريب. انظر: «أخبار الحكماء» (١٣٠)، و«كشف الظنون» (٢/ ١٥٩٤).
(٣) في الأصول: «مسندا». والمثبت من (ط). وفي «مفاتيح الغيب» للرازي (٧/ ١٧): «فإن الجماع قد يفضي إلى الولد الحي».
وتحريك الأجرام الفلَكيَّة، وكذلك قد يميتُ١ بهذه الوسائط. وهذا هو المرادُ من قوله تعالى حكايةً عن الخصم: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾.
ثمَّ إنَّ إبراهيم ﵊ أجاب عن هذا السؤال بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، يعني: هَبْ أنه سبحانه إنما يُحْدِثُ حوادثَ العالم بواسطة الحركات الفلَكيَّة، لكنَّه تعالى هو المبداء٢ للحركات الفلَكيَّة؛ لأنَّ تلك الحركات لا بدَّ لها من سبب، ولا سببَ لها سوى قدرة الله تعالى، فثبتَ أنَّ حوادثَ هذا العالم وإن سلَّمنا أنها إنما حصلت بواسطة الحركات الفلَكيَّة لكنَّه لمَّا كان المدبِّر لتلك الحركات الفلَكيَّة هو الله تعالى كان الكلُّ منه، بخلاف الواحد منَّا، فإنَّا وإن قَدَرْنا على الإحياء والإماتة بواسطة الطبائع وحركات الأفلاك، إلا أنَّ حركات الأفلاك ليست منَّا، بدليل أنَّا لا نقدرُ على تحريكها على خلاف التَّحريك الإلهي، وظَهَر الفَرق.
وهذا هو المرادُ من قول إبراهيم ﵊: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، يعني: هَبْ أنَّ هذه الحوادثَ في هذا العالم حصلت بحركة الشَّمس من المشرق، إلا أنَّ هذه الحركة من الله؛ لأنَّ كلَّ جسمٍ متحرِّكٍ فلا بدَّ له من محرِّك، وذلك المحرِّكُ لست أنتَ ولا أنا، فلِمَ لا تحرِّكها من المغرب؟!
فثبتَ أنَّ اعتمادَ إبراهيم الخليل في معرفة ثبوت الصَّانع على الدلائل