وقال بَطْليموس في بعض كتبه: «بعض الناس يعيبونَ هذا العلم، وذلك العيبُ إنما حصلَ من وجوه:
الأول: عجزُهم عن معرفة حقيقة مواضع الكواكب بدقائقها وثوانيها٢، وذلك أنَّ الآلات الرَّصديَّة لا تنفكُّ عن مُسامحاتٍ لا يفي بضبطها الحِسُّ؛ لأجل قلَّتها في الآلات الرَّصدية، لكنَّها وإن قلَّت في هذه الآلات إلا أنها في الأجرام الفلَكيَّة كثيرة، فإذا تباعَدت الأرصادُ حصلَ بسبب تلك المسامحات تفاوتٌ عظيمٌ في مواضع الكواكب٣.
الثاني: أنَّ هذا العلمَ علمٌ مبنيٌّ على معرفة الدلائل الفلَكيَّة، وتلك الدلائلُ لا تحصلُ إلا بتمزيجاتِ أحوال الكواكب، وهي كثيرةٌ جدًّا، ثمَّ إنها مع كثرتها قد تكونُ متعارضةً ولا بدَّ فيها من الترجيح، وحينئذٍ يصعبُ على أكثر الأفهام الإحاطةُ بتلك التَّمزيجات الكثيرة، وبعد الإحاطة بها فإنه يصعبُ الترجيحاتُ الجيِّدة، فلهذا السَّبب لا يتفقُ من يحيطُ بهذا العلم كما ينبغي إلا الفردُ بعد الفرد، ثمَّ إنَّ الجهَّالَ يُظهِرُونَ من أنفسهم كونَهم عارفين بهذا العلم، فإذا حَكَمُوا وأخطؤوا ظنَّ الناسُ أنَّ ذلك بسبب أنَّ هذا العلمَ ضعيف.
الثالث: أنَّ هذا العلمَ لا يفي بإدراك الجزئيَّات على وجه التفصيل الباهر، فمن حَكَمَ على هذا الوجه فقد يقعُ في الخطأ.
فلهذه الأسباب الثلاثة توجَّهت المطاعنُ إلى هذا العلم».
وحُكِيَ أنَّ الأكاسرة كان إذا أراد أحدُهم طَلَبَ الولدِ أمر بإحضار المنجِّم، ثمَّ كان ذلك الملكُ يخلو بامرأته، فساعةَ ما يقعُ الماءُ في الرَّحِم يأمرُ خادمًا على الباب يضربُ طستًا يكونُ في يده، فإذا سمع المنجِّمُ طنينَ الطَّست أخذ الطالعَ وحكمَ عليه١، حتى يُخْبِر بعدد السَّاعات التي يمكثُ الولدُ في بطن أمه، ثمَّ إنه كان يأخذُ الطالعَ ــ أيضًا ــ عند الولادة مرةً أخرى ويحكمُ عليه.
فلا جَرَمَ كانت أحكامُهم كاملةً قويَّة؛ لأنَّ الطالعَ الحقيقيَّ هو طالعُ مسقَط النطفة، فإنَّ حدوثَ الولد إنما يكونُ في ذلك الوقت، فأما طالعُ الولادة فهو طالعٌ مستعار؛ لأنَّ الولدَ لا يحدثُ في ذلك الوقت وإنما ينتقلُ من مكانٍ إلى مكانٍ آخر.
ورُوِي أنَّ في عهد أَرْدْشِير بن بابَك٢ أنه قال في العهد الذي كتبه لولده: لولا اليقينُ بالبَوارِ الذي على رأس ألف سنةٍ لكنتُ أكتبُ لكم كتابًا إن تمسَّكتم به لن تضلُّوا أبدًا!
وعَنى بالبَوار ما أخبره المنجِّمون من أنه يزول مُلكهم عند رأس ألف سنةٍ من مُلك گُشْتاسْپ٣، والمرادُ منه: زوالُ دولتهم وظهورُ دولة
(١) «ربيع الأبرار» (١/ ١٠٢).
(٢) من ملوك الفرس.
(٣) أحد ملوكهم الكبار المتقدمين. وفي الأصول: «كستاست». وهو تحريف. انظر: «الفهرست» (١٥، ٣٠٧)، و«مختصر تاريخ الدول» (٤٧)، و«الملل والنحل» (١/ ١٣٦، ٢٥٣)، و«طبقات الشافعية» (٥/ ٣٢٤)، و«لقطة العجلان» (٩٠).