ورُوِي أنه دخلَ الفضلُ بن سهلٍ على المأمون في اليوم الذي قُتِلَ فيه، وأخبره أنه يُقْتَلُ في هذا اليوم بين الماء والنار، فأنكرَ المأمونُ ذلك عليه، وقوَّى قلبَه، ثمَّ اتفقَ أنه دخلَ الحمَّام فقُتِلَ في الحمَّام١، وكان الأمرُ كما أخبر».
ثمَّ قال٢: «واعلم أنَّ التجاربَ في هذا الباب كثيرة، وفيما ذكرنا كفاية»٣.
قلت: فهذا أقصى ما قرَّر به الرازيُّ كلامَ هؤلاء ومذهبَهم، ولقد نثَر الكنانة، ونَفَضَ الجَعْبة، واستفرغَ الوُسْع، وبذلَ الجهد، ورَوَّجَ وبَهْرَج، وقَعْقَعَ وفَرْقَع، وجَعْجَعَ ولا ترى طِحْنًا، وجمَع بين ما يُعْلَمُ بالاضطرار أنه كذبٌ على رسول الله ﷺ وعلى أصحابه، وبين ما يُعْلَمُ بالاضطرار أنه خطأٌ في تأويل كلام الله ومعرفة مراده.
ولا يروجُ ما ذكره إلا على مُفْرِطٍ في الجهل بدين الرسل وما جاؤوا به، أو مقلِّدٍ لأهل الباطل والمُحال من المنجِّمين وأقاويلهم، فإن جمَع بين الأمرين شَرِبَ كلامه شُربًا!
ونحن بحمد الله ومعونته وتأييده نبيِّنُ بطلانَ استدلاله واحتجاجه، فنقول:
(٣) هذا آخر ما نقله المصنف من احتجاج الرازي لصناعة التنجيم.
* أمَّا الاستدلالُ بقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ١٥ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾؛ فإنَّ أكثر المفسِّرينَ على أنَّ المراد هو الكواكبُ التي تسيرُ راجعةً تارةً ومستقيمةً أخرى، فهذا القولُ قد قاله جماعةٌ من المفسِّرين١، وأنها الكواكبُ الخمسة: زُحَل وعطارد والمشتري والمرِّيخ والزُّهَرة، ويروى عن عليٍّ٢، واختاره مقاتل٣ وابن قتيبة٤.
قالوا: وسمَّاها خُنَّسًا لأنها في سيرها تتقدَّمُ إلى جهة المشرق، ثم تَخْنُس، أي: تتأخَّر، وكنوسُها استتارُها في مغربها، كما تَكْنِسُ الظِّباءُ وبقرُ الوحش، أي: تأوي إلى كِناسها، وهي أكنَّتها.
وتسمَّى هذه الكواكب: المتحيِّرة؛ لأنها تسيرُ مستقيمةً وتسيرُ راجعة.
وقيل: كُنوسُها بالنسبة إلى الناظر وهو استتارُها تحت شعاع الشَّمس.
وقيل: هي النجوم كلُّها. وهو اختيارُ أبي عبيدة٥، وقاله الحسنُ وقتادة٦.
وعلى هذا القول، فيكون القسَمُ بها باعتبار أحوالها الثلاثة: مِن طلوعها،
(١) انظر: «زاد المسير» (٩/ ٤٢)، و«تفسير الطبري» (٢٤/ ٢٥١). وقال المصنف في «أيمان القرآن» (١٨٤): «وهو الصواب».