مفتاح دار السعادة

غائبٍ عنَّا وحاضر، مما فيه التنبيهُ على كمال ربوبيته وعزَّته وحكمته وقدرته وتدبيره وتنوُّع مخلوقاته الدَّالَّة عليه، والمرشدة إليه، بما تضمَّنته من عجائب الصَّنعة وبديع الخِلْقَة، وتشهدُ لفاطرها وبارئها بأنه الواحدُ الأحدُ الذي لا شريكَ له، وأنه الكاملُ في علمه وقدرته ومشيئته ووحدانيته وحكمته وربوبيته ومُلكه، وأنها مسخَّرةٌ مذلَّلةٌ منقادةٌ لأمره مطيعةٌ لمراده منها.

ففي الإقسام بها تعظيمٌ لخالقها ﵎، وتنزيهٌ له عمَّا نسبه إليه أعداؤه الجاحدون المعطِّلون لربوبيته وقدرته ومشيئته ووحدانيته، وأنَّ مَن هذه عبيدُه١ ومماليكُه وخلقُه وصنعُه وإبداعُه فكيف تُجْحَدُ ربوبيتُه وإلهيتُه؟! وكيف تُنْكَرُ صفاتُ كماله٢ ونعوتُ جلاله؟! وكيف يسوغُ لذي حِسٍّ سليمٍ وفطرةٍ مستقيمةٍ تعطيلُها عن صانعها، أو تعطيلُ صانعها عن نعوت جلاله وأوصاف كماله وعن أفعاله؟!

فإقسامُه بها أكبرُ دليلٍ على فساد قول نوعي المعطِّلة والمشركين الذين جعلوها آلهةً تُعْبَد، مع دلائل الحُدوث والعبوديَّة والتَّسخير والافتقار عليها، وأنها أدلةٌ على بارئها٣ وفاطرها وعلى وحدانيته، وأنه لا تنبغي الربوبيةُ والإلهيةُ لها بوجهٍ ما، بل لا تنبغي إلا لمن فطرها وبرأها، كما قال القائل:

تأمَّلْ سطورَ الكائناتِ فإنهامن الملأ الأعلى٤ إليك رسائلُ
وقد خُطَّ فيها لو تأمَّلتَ خَطَّهاألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ
  1. (١) (ت): «هذه الأمور».
  2. (٢) (ت): «صفات كماله وعن أفعاله».
  3. (٣) في الأصول: «على أربابها». والمثبت من (ط).
  4. (٤) (ق): «الملك الأعلى». والبيتان سلف تخريجهما (ص: ١٠٢٥).
1362

وقال آخر:

فواعجبَا كيف يُعصَى الإلهأم كيف يجحدُه جاحدُ١
ولله في كلِّ تحريكةٍوتسكينةٍ أبدًا شاهدُ
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌتدلُّ على أنه واحدُ

فلم يكن إقسامُه بها سبحانه مقرِّرًا بذلك٢ علمَ الأحكام النجوميَّة كما يقولُه الكاذبون المفترون، بل مقرِّرًا لكمال ربوبيته ووحدانيته، وتفرُّده بالخلق والإبداع، وكمال حكمته وعلمه وعظمته.

وهذا نظيرُ إخباره سبحانه عن خَلقِها وعن حكمة خالقها٣ بقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ

  1. (١) (ت): «الجاحد». ومضى تخريج الأبيات (ص: ٦٤٢).
  2. (٢) (ت): «مقررًا أحكام».
  3. (٣) (ت، د): «حكمة خلقها».
1363

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي