مفتاح دار السعادة

وقال آخر:

فواعجبَا كيف يُعصَى الإلهأم كيف يجحدُه جاحدُ١
ولله في كلِّ تحريكةٍوتسكينةٍ أبدًا شاهدُ
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌتدلُّ على أنه واحدُ

فلم يكن إقسامُه بها سبحانه مقرِّرًا بذلك٢ علمَ الأحكام النجوميَّة كما يقولُه الكاذبون المفترون، بل مقرِّرًا لكمال ربوبيته ووحدانيته، وتفرُّده بالخلق والإبداع، وكمال حكمته وعلمه وعظمته.

وهذا نظيرُ إخباره سبحانه عن خَلقِها وعن حكمة خالقها٣ بقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ

  1. (١) (ت): «الجاحد». ومضى تخريج الأبيات (ص: ٦٤٢).
  2. (٢) (ت): «مقررًا أحكام».
  3. (٣) (ت، د): «حكمة خلقها».
1363

يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢].

وهؤلاء المشركون يعظِّمون الشَّمس والقمرَ والكواكبَ تعظيمًا يسجدون لها به، ويتذلَّلون لها، ويسبِّحونها تسابيحَ معروفةً في كتبهم، ودعواتٍ لا ينبغي أن يُدعى بها إلا خالقُها وفاطرُها وحده.

ويقولُ بعضهم في كتابه: مصحف الشَّمس، مصحف القمر، مصحف زُحل، مصحف عطارد١.

وبعضهم يقول: تسبيحة الشَّمس، تسبيحة القمر، تسبيحة عطارد، تسبيحة زُحَل، ولا يتحاشى من ذلك٢.

وبعضهم يقول: دعوة الشَّمس، دعوة القمر، دعوة عطارد، دعوة زُحَل.

وبعضهم يقول: هيكل الشَّمس والقمر وعطارد٣.

وأصله: أنَّ الهيكلَ هو البيتُ المبنيُّ للعبادة، وكان الصَّابئون يبنون لكلِّ كوكبٍ من هذه هيكلًا، ويُصَوِّرون فيه ذلك الكوكب ويتخذُونه لعبادته وتعظيمه ودعائه، ويزعمون أنَّ روحانيَّة ذلك الكوكب تتنزَّلُ عليهم فتخاطبُهم وتقضي حوائجَهم٤، وشاهدوا ذلك منها وعاينوه، وتلك

  1. (١) ومن هؤلاء أبو معشر البلخي (المتقدم ذكره). انظر: «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٥٠٧، ٥٣٥)، و«الرد على المنطقيين» (٢٨٧). ونسبوا إلى هرمس (وهو عندهم إدريس ﵇) مثل ذلك. انظر: «السر المكتوم» (٨٨)، و«كشف الظنون» (٢/ ١٧١١).
  2. (٢) انظر: «السر المكتوم» (١٢٣ - ١٢٩).
  3. (٣) انظر: «درء التعارض» (١/ ٣١٣)، و«منهاج السنة» (٢/ ١٩٢)، و«الرد على المنطقيين» (٢٨٧)، و«بغية المرتاد» (٣٦٩)، و«الرد على البكري» (٢/ ٥٦٧).
  4. (٤) انظر ما تقدم (ص: ١٠٠٢) والتعليق عليه.
1364

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي