مفتاح دار السعادة

يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢].

وهؤلاء المشركون يعظِّمون الشَّمس والقمرَ والكواكبَ تعظيمًا يسجدون لها به، ويتذلَّلون لها، ويسبِّحونها تسابيحَ معروفةً في كتبهم، ودعواتٍ لا ينبغي أن يُدعى بها إلا خالقُها وفاطرُها وحده.

ويقولُ بعضهم في كتابه: مصحف الشَّمس، مصحف القمر، مصحف زُحل، مصحف عطارد١.

وبعضهم يقول: تسبيحة الشَّمس، تسبيحة القمر، تسبيحة عطارد، تسبيحة زُحَل، ولا يتحاشى من ذلك٢.

وبعضهم يقول: دعوة الشَّمس، دعوة القمر، دعوة عطارد، دعوة زُحَل.

وبعضهم يقول: هيكل الشَّمس والقمر وعطارد٣.

وأصله: أنَّ الهيكلَ هو البيتُ المبنيُّ للعبادة، وكان الصَّابئون يبنون لكلِّ كوكبٍ من هذه هيكلًا، ويُصَوِّرون فيه ذلك الكوكب ويتخذُونه لعبادته وتعظيمه ودعائه، ويزعمون أنَّ روحانيَّة ذلك الكوكب تتنزَّلُ عليهم فتخاطبُهم وتقضي حوائجَهم٤، وشاهدوا ذلك منها وعاينوه، وتلك

  1. (١) ومن هؤلاء أبو معشر البلخي (المتقدم ذكره). انظر: «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٥٠٧، ٥٣٥)، و«الرد على المنطقيين» (٢٨٧). ونسبوا إلى هرمس (وهو عندهم إدريس ﵇) مثل ذلك. انظر: «السر المكتوم» (٨٨)، و«كشف الظنون» (٢/ ١٧١١).
  2. (٢) انظر: «السر المكتوم» (١٢٣ - ١٢٩).
  3. (٣) انظر: «درء التعارض» (١/ ٣١٣)، و«منهاج السنة» (٢/ ١٩٢)، و«الرد على المنطقيين» (٢٨٧)، و«بغية المرتاد» (٣٦٩)، و«الرد على البكري» (٢/ ٥٦٧).
  4. (٤) انظر ما تقدم (ص: ١٠٠٢) والتعليق عليه.
1364

الروحانيَّةُ هي الشياطينُ تنزَّلتْ عليهم، وخاطبتْهم، وقَضَتْ حوائجَهم١.

ثمَّ لمَّا رامَ هذا الفعلَ من تستَّر منهم بالإسلام، ولم يُمْكِنه أن يبني بيتًا٢ يعبدُها فيه، كتبَ لها دعواتٍ وتسبيحاتٍ وأذكارًا سمَّاها: هياكل، ثمَّ من اشتدَّ تستُّره وخوفُه أخرجَها في قالب حروفٍ وكلماتٍ لا تُفْهَم، لئلَّا يُبادَر إلى إنكارها وردِّها!

ومن لم يَخَفْ منهم خرَّج٣ تلك الدَّعوات والتسبيحات والأذكار بلسان من يخاطبُه بالفارسية والعربية وغيرها، فلمَّا أنكرَ عليه أهلُ الإيمان، قال: إنما ذكرتُ هذه معرفةً لهذا العلم وإحاطةً به، لا اعتقادًا له، ولا ترغيبًا فيه.

وقد وَصَفَ٤ ذلك العلمَ وقرَّره على أتمِّ تقرير، وحَمَله هديَّةً إلى مَلِكه فأثابه عليه جملةً من الذهب، يقال: إنه ألفُ دينار٥، وصار ذلك الكتابُ٦

  1. (١) انظر: «مجموع الفتاوى» (١/ ١٧٣، ١٠/ ٤٥١، ١١/ ٢٩٢)، و«الصفدية» (١/ ٢٤١)، و«النبوات» (١٠٥٨)، و«الرد على المنطقيين» (٢٨٦، ٥٣٥)، و«الرد على البكري» (١/ ١٧٠).
  2. (٢) (ق، د): «يبني لها بيوتا».
  3. (٣) (د، ق، ص): «خرج بتلك». (ط): «صرح بتلك».
  4. (٤) أي: الرازي. وهو المقصود في هذا السياق.
  5. (٥) ذكر شيخ الإسلام في «نقض التأسيس» (١/ ٤٤٧) أنه صنَّفه لأم الملك علاء الدين، وأنها أعطته عليه ألف دينار، وكان مقصودها ما فيه من السحر والعجائب.
  6. (٦) وهو «السر المكتوم في مخاطبة الشمس والقمر والنجوم»، وفي نسبته إلى الرازي خلافٌ ضعيف، وهو له بلا ريب، ومن طالعه وله أنسٌ بأسلوب الرازي لم يتردد في ذلك. طبع في الهند طبعة حجرية. انظر: «فخر الدين الرازي وآراؤه الكلامية» للزركان (١١١).
1365

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي