والرَّابع: أنه مواقعُها عند طلوعها وغروبها. حكاه ابنُ عطية عن مجاهد وأبي عبيدة٢.
والخامس: أنَّ مواقعَها مواضعُها من السماء. وهذا الذي حكاه ابنُ الجوزي عن قتادة حكاه ابنُ عطية عنه٣، فيحتملُ أن يكونا واحدًا وأن يكونا قولين.
السادس: أنَّ مواقعَها انقضاضُها إثر العفريت وقت الرجوم. حكاه ابنُ عطية أيضًا.
ولم يذكر أبو الفرج ابن الجوزي٤ سوى الثلاثة الأُول.
والقول الثاني: أنَّ مواقعَ النجوم هي منازلُ القرآن ونجومُه التي نزلت على النبيِّ ﷺ في مدَّة ثلاثٍ وعشرين سنة.
قال ابنُ عطية: «ويؤيِّدُ هذا القول عَوْدُ الضمير على القرآن في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾[الواقعة: ٧٧]، وذلك أنَّ ذِكرَه لم يتقدَّم إلا على هذا التأويل،
(٣) كذا في الأصول. أراد أنَّ هذا القول الخامس حكاه ابن عطية عن قتادة، وهو يشبه القول الثاني الذي حكاه ابن الجوزي عنه.
(٤) في «زاد المسير» (٨/ ١٥١).
ومن لا يتأوَّلُ هذا التأويلَ يقول: إنَّ الضميرَ يعودُ على القرآن وإن لم يتقدَّم ذكرُه؛ لشهرة الأمر ووضوح المعنى، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾[ص: ٣٢]، و﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾[الرحمن: ٢٦]، وغير ذلك»١.
قلت: ويؤيِّدُ القولَ الأول أنه أعاد الضميرَ بلفظ الإفراد والتذكير، ومواقعُ النجوم جمعٌ، فلو كان الضميرُ عائدًا عليها لقال: إنها لقرآنٌ كريم، إلا أن يقال: مواقعُ النجوم دلَّ على القرآن، فأعاد الضميرَ عليه؛ لأنَّ مُفسِّرَ الضمير يُكتفى فيه بذلك، وهو من أنواع البلاغة والإيجاز.
فإن كان المرادُ من القسم نجومَ القرآن بطلَ استدلالُه بالآية، وإن كان المرادُ الكواكب ــ وهو قولُ الأكثرين ــ فلِمَا فيها من الآيات الدَّالَّة على ربوبية الله تعالى وانفراده بالخلق والإبداع، فإنه لا ينبغي أن تكونَ الإلهيةُ إلا له وحده، كما أنه وحده المنفردُ بخلقها وإبداعها وما تضمَّنته من الآيات والعجائب، فالإقسامُ بها أوضحُ دليلٍ٢ على تكذيب المشركين والمنجِّمين والدَّهريَّة ونوعَي المعطِّلة، كما تقدم.
* وكذلك قولُه: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾[الطارق: ٣]، على أنَّ فيه قولين آخرين غير القول الذي ذكره٣.
أحدهما: أنه الثُّريَّا. وهذا قولُ ابن زيد. حكاه عنه أبو الفرج ابن الجوزي٤.