وعنه روايةٌ ثانية: أنه زُحَل، حكاها عنه ابنُ عطية١.
الثاني: أنه الجدي. حكاه ابن عطية عن ابن عباس.
وقولٌ آخر حكاه أبو الفرج ابن الجوزي عن عليِّ بن أحمد النيسابوري٢ أنه جنسُ النجوم.
* وأمَّا قوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾[النازعات: ٥]، فلم يقل أحدٌ من الصحابة ولا التابعين ولا العلماء بالتفسير أنها النجوم. وهذه الرواياتُ عنهم٣:
فقال ابنُ عباس: هي الملائكة.
قال عطاء: وُكِّلت بأمورٍ عرَّفهم اللهُ العملَ بها.
وقال عبد الرحمن بن سابط: يدبِّرُ أمورَ الدنيا أربعة: جبريل وهو موكَّلٌ بالرِّيح٤ والجنود، وميكائيل وهو موكَّلٌ بالقَطر والنبات، وملكُ الموت وهو موكَّلٌ بقبض الأنفس، وإسرافيل وهو ينزلُ الأمر عليهم.
(٤) في الأصول: «بالوحي». تحريف. وعلى الصواب في «أيمان القرآن» (٢١٤). وانظر: «زاد المسير»، و«شعب الإيمان» للبيهقي (١/ ٤٣٣)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (١٣/ ٤٣٠)، و«الدر المنثور» (٨/ ٤٠٥)، وغيرها.
وقال ابن قتيبة: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ الملائكة تنزلُ بالحلال والحرام١.
ولم يذكر المتوسِّعون في نقل أقوال المفسِّرين، كابن الجوزي والماوردي وابن عطية غير الملائكة٢، حتى قال ابنُ عطية: «ولا أحفظُ خلافًا أنها الملائكة»٣، هذا مع توسُّعه في النقل، وزيادته فيه على أبي الفرج ابن الجوزي وغيره، حتى إنه لينفردُ بأقوالٍ لا يحكيها غيره.
فتفسيرُ المدبِّرات بالنجوم كذبٌ على الله وعلى المفسِّرين٤.
* وكذلك المقسِّمات أمرًا؛ لم يقل أحدٌ من أهل التفسير العالِمين به: إنها النجوم، بل قالوا: هي الملائكة التي تُقَسِّمُ أمرَ الملكوت بإذن ربِّها من الأرزاق والآجال والخَلق في الأرحام، وأمرِ الرِّياح والجبال.
قال ابنُ عطية: «لأنَّ كلَّ هذا إنما هو بملائكةٍ تخدمُه، فالآيةُ تتضمَّنُ جميعَ الملائكة؛ لأنهم كلَّهم في أمورٍ مختلفة.
قال أبو الطفيل عامرُ بن واثلة: كان عليٌّ ﵁ على المنبر، فقال: لا تسألوني عن آيةٍ من كتاب الله أو سنَّةٍ ماضيةٍ إلا قلتُ لكم، فقام إليه ابنُ الكَوَّاء، فسأله عن: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا ١ فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا ٢ فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا ٣ فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾، فقال: الذاريات: الرياح، والحاملات: السَّحاب، والجاريات: السُّفن، والمقسِّمات: الملائكة. ثمَّ قال: سَل سؤالَ تعلُّم، ولا
(١) «غريب القرآن» (٥١٢).
(٢) تقدم تعليقًا (ص: ١٣٤٨) ما حكي عن معاذ أنها النجوم.