وقال ابن قتيبة: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ الملائكة تنزلُ بالحلال والحرام١.
ولم يذكر المتوسِّعون في نقل أقوال المفسِّرين، كابن الجوزي والماوردي وابن عطية غير الملائكة٢، حتى قال ابنُ عطية: «ولا أحفظُ خلافًا أنها الملائكة»٣، هذا مع توسُّعه في النقل، وزيادته فيه على أبي الفرج ابن الجوزي وغيره، حتى إنه لينفردُ بأقوالٍ لا يحكيها غيره.
فتفسيرُ المدبِّرات بالنجوم كذبٌ على الله وعلى المفسِّرين٤.
* وكذلك المقسِّمات أمرًا؛ لم يقل أحدٌ من أهل التفسير العالِمين به: إنها النجوم، بل قالوا: هي الملائكة التي تُقَسِّمُ أمرَ الملكوت بإذن ربِّها من الأرزاق والآجال والخَلق في الأرحام، وأمرِ الرِّياح والجبال.
قال ابنُ عطية: «لأنَّ كلَّ هذا إنما هو بملائكةٍ تخدمُه، فالآيةُ تتضمَّنُ جميعَ الملائكة؛ لأنهم كلَّهم في أمورٍ مختلفة.
قال أبو الطفيل عامرُ بن واثلة: كان عليٌّ ﵁ على المنبر، فقال: لا تسألوني عن آيةٍ من كتاب الله أو سنَّةٍ ماضيةٍ إلا قلتُ لكم، فقام إليه ابنُ الكَوَّاء، فسأله عن: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا ١ فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا ٢ فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا ٣ فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾، فقال: الذاريات: الرياح، والحاملات: السَّحاب، والجاريات: السُّفن، والمقسِّمات: الملائكة. ثمَّ قال: سَل سؤالَ تعلُّم، ولا
(١) «غريب القرآن» (٥١٢).
(٢) تقدم تعليقًا (ص: ١٣٤٨) ما حكي عن معاذ أنها النجوم.
(٣) «المحرر الوجيز» (١٥/ ٣٠٠).
(٤) انظر: «التبيان في أيمان القرآن» (٢١٦).
تسأل سؤال تعنُّت»١.
وكذلك قال أبو الفرج، ولم يذكر فيه خلافًا٢ في المقسِّمات أمرًا: «يعني: الملائكة تقسِّمُ الأمورَ على أمر الله به.
قال ابنُ السائب: المقسِّماتُ أربعة: جبريل وهو صاحبُ الوحي والغلظة ــ يعني: العقوبة على أعداء الرسل ــ، وميكائيل وهو صاحبُ الرِّزق والرحمة، وإسرافيل وهو صاحبُ الصُّور واللوح، وعزرائيل٣ وهو قابضُ الأرواح»٤.
فتفسيرُ الآية بأنها النجومُ تفسيرُ المنجِّمين ومن سلك سبيلَهم.
* وأمَّا وصفُه تعالى بعضَ الأيام بأنها أيامُ نَحْس؛ كقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ
(١) «المحرر الوجيز» (١٤/ ٣). والأثر أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٤١)، والطبري (٢٢/ ٣٩٠)، والشاشي (٦٢٠) وغيرهم. وصححه الحاكم (٢/ ٤٦٦) ولم يتعقبه الذهبي. وخرَّجه الضياء في «المختارة» (٥٦٦)، وعلَّق البخاري موضع الشاهد منه. انظر: «تغليق التعليق» (٤/ ٣١٨). وابن الكوَّاء، واسمه عبد الله، من رؤوس الخوارج، وله أخبارٌ كثيرةٌ مع علي ﵁، وكان يلزمه ويعنته في الأسئلة، وقيل: إنه رجع عن رأي الخوارج. انظر: «اللسان» (٣/ ٣٢٩)، و«تاريخ دمشق» (٢٧/ ٩٦).
(٢) «ولم يذكر» ليست في (ت، ص).
(٣) ورد في تسميته بهذا آثارٌ كثيرة عن السلف، ولم يصحَّ فيه شيءٌ مرفوع. انظر: «تفسير ابن كثير» (٦/ ٢٧٦٦)، و«أجوبة الحافظ ابن حجر على أسئلة بعض تلاميذه» (٨٣ - ٩٤، ١٠٩)، و«معجم المناهي اللفظية» (٣٩٠).