مفتاح دار السعادة

رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦]، فلا ريب أنَّ الأيامَ التي أوقعَ اللهُ سبحانه فيها العقوبةَ بأعدائه وأعداء رسله كانت أيامًا نَحِسَاتٍ عليهم؛ لأنَّ النَّحْسَ أصابهم فيها، وإن كانت أيامَ خيرٍ لأوليائه المؤمنين، فهي نَحْسٌ على المكذِّبين سَعْدٌ للمؤمنين، وهذا كيوم القيامة، فإنه عسيرٌ على الكافرين يومُ نَحْسٍ لهم، يسيرٌ على المؤمنين يومُ سَعْدٍ لهم.

قال مجاهد: ﴿أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾: مَشَائيم.

وقال الضحَّاك: معناه: شديدة١. أي: شديدةُ البرد. حتى كان البردُ عذابًا لهم.

قال أبو علي٢: وأنشدَ الأصمعيُّ في النَّحْس بمعنى البرد:

كأنَّ سُلافَةً عُرِضَتْ لِنَحْسٍيُحِيلُ شَفِيفُها الماءَ الزُّلالا٣

وقال ابن عباس: ﴿نَحِسَاتٍ﴾: متتابعات٤.

* وكذلك قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩]،

  1. (١) في الأصول: «شديد» في الموضعين. والمثبت من «المحرر الوجيز» (١٣/ ٩٣)، وهو مصدر المصنف.
  2. (٢) الفارسي. انظر: «اللسان» و«التاج» (نحس).
  3. (٣) البيت لعمرو بن أحمر الباهلي، في شعره المجموع (١٢٦). والسلافة: الخمر. وعُرِضت لنحسٍ: أي وُضِعت في ريح فبرَدت. وشفيفها: بَرْدُها. ويحيل: يَصُبّ. يقول: بردُها يَصُبُّ الماء في الحلق، ولولا بردُها لم يُشْرَب الماء. فسَّره الأصمعي. انظر: «تهذيب اللغة» (٤/ ٣٢٠).
  4. (٤) أخرج الطبريُّ قول ابن عباس ومجاهد والضحاك (٢١/ ٤٤٦، ٤٤٧).
1372

فكان اليومُ نَحْسًا عليهم لإرسال العذاب عليهم، [﴿مُسْتَمِرٌّ﴾]١، أي: لا يُقْلِعُ عنهم كما تُقْلِعُ مصائبُ الدُّنيا عن أهلها، بل هذا النَّحْسُ دائمٌ على هؤلاء المكذِّبين للرسل، و﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ صفةٌ للنَّحْس، لا لليوم، ومن ظنَّ أنه صفةٌ لليوم وأنه كان يومَ أربعاء آخرَ الشَّهر، وأنَّ هذا اليومَ نحسٌ أبدًا٢، فقد غَلِطَ وأخطأ فهمَ القرآن، فإنَّ اليومَ المذكور بحسب ما يقعُ فيه، وكم لله من نعمةٍ على أوليائه في هذا اليوم، وإن كان له فيه بلايا ونِقَمٌ على أعدائه، كما يقعُ ذلك في غيره من الأيام٣.

فسُعودُ الأيام ونحوسُها إنما هو بسُعود الأعمال وموافقتها لمرضاة الربِّ، ونُحوس الأعمال ومخالفتها لما جاءت به الرسل. واليومُ الواحدُ يكونُ يوم سَعْدٍ لطائفة، ونحسٍ لطائفة، كما كان يومُ بدرٍ يومَ سعدٍ للمؤمنين، ويومَ نحسٍ على الكافرين.

فما للكوكب والطالع والقِرانات وهذا السَّعْد والنَّحْس؟! وكيف يُستنبَطُ علمُ أحكام النجوم من ذلك؟! ولو كان المؤثِّر في هذا النَّحْس هو نفسَ الكوكب والطالع لكان نحسًا على العالم، فأمَّا أن يقتضي الكوكبُ كونَه نحسًا لطائفةٍ سعدًا لطائفةٍ فهذا هو المُحال.

  1. (١) ليست في الأصول. ويقتضيها السياق.
  2. (٢) كما وقع في حديثٍ موضوع. انظر: «الموضوعات» لابن الجوزي (٩١٧)، و«لطائف المعارف» لابن رجب (١٤٨)، و«السلسلة الضعيفة» (١٥٨١).
  3. (٣) انظر: «المحرر الوجيز» (١٤/ ١٥٥)، و«التحرير والتنوير» (٢٤/ ٢٦٠)، و«روح المعاني» (١٤/ ٨٤، ٨٦)، و«معجم المناهي اللفظية» (٣٤٦).
1373

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي