مفتاح دار السعادة

ولهذا كانت أشهرُ الحجِّ والصَّوم والأعياد ومواسم الإسلام إنما هي على حساب القمر وسَيْره ونزوله في منازله، لا على حساب الشمس وسَيْرها؛ حكمةً من الله ورحمةً وحفظًا لدينه؛ لاشتراك الناس في هذا الحساب، وتعذُّر الغلط والخطأ فيه، فلا يدخلُ في الدِّين من الاختلاف والتخليط ما دخلَ في دين أهل الكتاب١.

فهذا الذي أخبرنا تعالى به مِن شأن المنازل وسَيْر القمر فيها، وجَعْل الشَّمس سراجًا وضياءً يُبْصِرُ به الحيوان٢، ولولا ذلك لم يُبْصِر الحيوان، فأين هذا مما يدَّعيه الكذَّابون من علم الأحكام التي كذبُها أضعافُ صدقها؟!

فصل

* وأمَّا ما ذكره عن إبراهيم خليل الرحمن أنه تمسَّك بعلم النجوم حين قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، فمن الكذب والافتراء على خليل الرحمن ﷺ، فإنه ليس في الآية أكثر من أنه نظَر نظرةً في النجوم، ثم قال لهم: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، فمن ظنَّ مِن هذا أنَّ علمَ أحكام النجوم مِن علم الأنبياء، وأنهم كانوا يُراعونه ويُعانُونه، فقد كذَب على الأنبياء، ونسَبَهم إلى ما لا يليقُ بهم، وهو مِن جنس من نسَبَهم إلى الكهانة والسِّحر، وزعَم أن تلقِّيهم الغيبَ من جنس تلقِّي غيرهم، وإن كانوا فوقهم في ذلك، لكمال نفوسهم وقوَّة استعدادها وقبولها لفيض العُلويَّات عليها.

  1. (١) انظر: «أيمان القرآن» (٢٥٢).
  2. (٢) (ت، ص): «يبصره الحيوان».
1378

وهؤلاء لم يعرفوا الأنبياءَ ولا آمنوا بهم، وإنما هم عندهم بمنزلة أصحاب الرِّياضات الذين خُصُّوا بقوة الإدراك وزكاة النفوس وطهارة الأخلاق١، ونَصَبوا أنفسَهم لإصلاح الناس٢ وضبط أمورهم.

ولا ريب أنَّ هؤلاء أبعدُ الخلق عن الأنبياء واتباعهم ومعرفتهم ومعرفة مُرسِلهم وما أرسلهم به، هؤلاء في شأنٍ والرسلُ في شأنٍ آخر، بل هم ضدُّهم في علومهم وأعمالهم وهَديهم وإرادتهم وطرائقهم ومَعَادهم، وفي شأنهم كلِّه، ولهذا تجدُ أتباعَ هؤلاء ضدَّ أتباع الرسل في العلوم والأعمال والهَدي والإرادات.

ومتى بعَث اللهُ رسولًا يُعاني التنجيم، والتمزيجات، والطِّلَّسمات، والأوفاق، والتَّداخين، والبَخُورات، ومعرفة القِرانات، والحكم على الكواكب بالسُّعود والنُّحوس والحرارة والبرودة والذُّكورة والأنوثة؟! وهل هذه إلا صنائعُ المشركين وعلومُهم؟!

وهل بُعِثَت الرسلُ إلا بالإنكار على هؤلاء ومَحْقِهم ومَحْقِ علومهم وأعمالهم من الأرض؟! وهل للرسل أعداءٌ بالذَّات إلا هؤلاء ومن سلك سبيلَهم؟!

وهذا معلومٌ بالاضطرار لكلِّ من آمن بالرسل صلواتُ الله وسلامه عليهم، وصدَّقهم فيما جاؤوا به، وعرَف مسمَّى رسول الله وعرَف مُرسِلَه.

وهل كان لإبراهيم الخليل ﵊ عدوٌّ مثل هؤلاء

  1. (١) (ق): «وزكاة الأخلاق».
  2. (٢) (ت، ص): «لإصلاح حالهم».
1379

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي