المنجِّمين الصَّابئين؟! وحَرَّانُ١ كانت دار مملكتهم، والخليلُ أعدى عدوٍّ لهم، وهم المشركون حقًّا، والأصنام التي كانوا يعبدونها كانت صُورًا وتماثيل للكواكب، وكانوا يتَّخذون لها هياكل ــ وهي بيوتُ العبادات ــ، لكلِّ كوكبٍ منهم هيكلٌ فيه أصنامٌ تناسبُه، فكانت عبادتُهم للأصنام وتعظيمُهم لها تعظيمًا منهم للكواكب التي وضعوا الأصنامَ عليها وعبادةً لها.
وهذا أقوى السَّببَين في الشرك الواقع في العالَم، وهو الشركُ بالنجوم وتعظيمُها، واعتقادُ أنها أحياءٌ ناطقة، ولها روحانيَّاتٌ تتنزَّلُ على عابديها ومُخاطِبيها، فصوَّروا لها الصُّورَ الأرضية، ثم جعلوا عبادتها وتعظيمها ذريعةً إلى عبادة تلك الكواكب واستنزال روحانيَّاتها، وكانت الشياطينُ تتنزَّلُ عليهم وتخاطبُهم وتكلِّمهم وتُرِيهم من العجائب ما يدعوهم إلى بَذْل نفوسهم وأولادهم وأموالهم لتلك الأجسام٢ والتقرُّب إليها٣.
وكان مبدأُ هذا الشرك تعظيمَ الكواكب وظنَّ السُّعود والنُّحوس وحصولَ الخير والشرِّ في العالم منها، وهذا هو شركُ خواصِّ المشركين وأرباب النظر منهم، وهو شركُ قوم إبراهيم.
والسببُ الثاني: عبادةُ القبور، والإشراكُ بالأموات، وهو شركُ قوم
(١) من مدن الجزيرة الفراتية، ظلَّت عامرةً حتى المئة السابعة، وهي اليوم أطلال. انظر: «معجم البلدان» (٢/ ٢٣٥)، و«بلدان الخلافة الشرقية» (١٣٤).
(٢) (ط): «الأصنام».
(٣) انظر ما تقدم (ص: ١٣٦٤).
نوح، وهو أولُ الشِّركين١ طَرَق العالم، وفتنتُه أعمُّ، وأهلُ الابتلاء به أكثر، وهم جمهورُ أهل الإشراك.
وكثيرًا ما يجتمعُ السَّببان في حقِّ المشرك، يكونُ مَقابِريًّا نُجوميًّا.
قال تعالى عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾[نوح: ٢٣].
قال البخاري في «صحيحه»٢: قال ابن عباس ﵄: «كان هؤلاء رجالًا صالحين من قوم نوح، فلمَّا هلَكوا أوحى الشياطينُ إلى قومهم أن انصِبُوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسمُّوها بأسمائهم، ففَعلوا، فلم تُعْبَد، حتى إذا هلَك أولئك ونُسِخَ العلمُ عُبِدَت».
ولهذا لعن النبيُّ ﷺ الذين اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد٣.
ونهى عن الصَّلاة إلى القبور٤.
وقال: «اللهمَّ لا تجعَل قبري وثنًا يُعْبَد»٥.
(١) (ت، ص): «شرك».
(٢) (٤٩٢٠).
(٣) أخرجه البخاري (٤٣٥، ١٣٣٠، ١٣٩٠) ومسلم (٥٢٩، ٥٣٠) من حديث عائشة وابن عباس وأبي هريرة ﵃.
(٤) أخرجه مسلم (٩٧٢) من حديث أبي مرثد الغنوي.
(٥) أخرجه مالك في «الموطأ» (٤٧٥) عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار مرسلًا. ورواه معمر وابن عجلان عن زيد بن أسلم مرسلًا. أخرجهما عبد الرزاق (١/ ٤٠٦) وابن أبي شيبة (٢/ ٣٧٥، ٣/ ٣٤٥). وخالفهم عمر بن محمد بن صهبان (وهو ضعيف)، فرواه عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد مرفوعًا، أخرجه البزار ــ كما في «التمهيد» (٥/ ٤٣) ــ. وهو منكرٌ بلا ريب، والمحفوظ من هذا الوجه الإرسال، بل قال البزار: إنه لا يحفظ عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه مرسلًا. وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٣/ ٢٤٦). وروي موصولا من حديث أبي هريرة. أخرجه أحمد (٢/ ٤٦)، وأبو يعلى (٦٦٨١)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٣/ ٤٧) وغيرهم بإسنادٍ ظاهرُه الحُسن، إلا أن البزار وأبا نعيم في «الحلية» (٧/ ٣١٧) ارتابا في تفرُّده. وانظر: «تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي» (٢٧١). وروي موصولًا من حديث عمر. والصواب أنه موقوف. انظر: «علل الدارقطني» (٢/ ٢٢٠).