مفتاح دار السعادة

أسبابه، وهَدْم بيوته، ومحاربة أهله، فكيف يُظَنُّ بإمام الحنفاء، وشيخ الأنبياء، وخليل ربِّ الأرض والسماء، أنه كان يتعاطى علمَ النجوم، ويأخذُ منه أحكامَ الحوادث؟! سبحانك هذا بهتانٌ عظيم.

وإنما كانت النظرةُ التي نَظَرها في النجوم١ مِن معاريض الأفعال، كما كان قولُه: ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وقولُه: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقولُه عن امرأته سارة: «هذه أختي» مِن معاريض المقال، ليتوصَّل بها إلى غرَضه مِن كَسْر الأصنام، كما توصَّل بتعريضه بقوله: «هذه أختي» إلى خَلاصِها من يد الفاجر٢.

ولما غَلُظ فهمُ هذا عن كثيرٍ من الناس، وكَثُفَت طباعُهم عن إدراكه، ظنُّوا أنَّ نظره في النجوم ليستنبطَ منها علمَ الأحكام٣، وعَلِمَ أنَّ نجمَه وطالعَه يقضي عليه بالسَّقم، وحاشَ لله أن يُظَنَّ ذلك بخليله ﷺ أو بأحدٍ من أتباعه.

وهذا مِن جنس معاريض يوسف الصِّديِّق ﷺ حين تفتيش أوعية أخيه عن الصَّاع، فإنَّ المفتِّش بدأ بأوعيهتم مع علمه أنه ليس فيها، وأخَّر وعاء أخيه مع علمه أنه فيها، تعريضًا بأنه لا يَعْرِفُ في أيِّ وعاءٍ هي، ونفيًا للتُّهمة عنه بأنه لو كان عالمًا في أيِّ الأوعية هي لبادَر إليها، ولم يكلِّف نفسَه تعبَ التفتيش لغيرها.

  1. (١) (ت، ق، د): «في علم النجوم». وهو خطأ. وعلى الصواب في (ص).
  2. (٢) انظر ما تقدم (ص: ٩٤٨).
  3. (٣) انظر: «فرج المهموم» لابن طاووس (٤٤).
1383

فلهذا نظرُ الخليلِ ﷺ في النجوم توريةٌ وتعريضٌ محض، ينفي به عنه تهمةَ قومه ويتوصَّلُ به إلى كيد أصنامهم١.

فصل

* وأمَّا الاستدلالُ بقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، وأنَّ المرادَ به كِبَرُ القَدْرِ والشَّرف، لا كبرُ الجُثَّة= ففي غاية الفساد؛ فإنَّ المراد من الخَلق هاهنا الفعل، لا نفسُ المفعول، وهذا من أبلغ الأدلَّة على المَعاد، أي: أنَّ الذي خلق السموات والأرض ــ وخَلْقُها أكبرُ من خلقكم ــ كيف يُعْجِزُه خلقُكم بعدما تموتون خلقًا جديدًا؟!

ونظيرُ هذا قوله تعالى في سورة يس: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾، أي: مثل هؤلاء المنكرين٢. فهذا استدلالٌ بشمول القدرة للنَّوعين، وأنها صالحةٌ لهما، فلا يجوزُ أن يثبت تعلُّقها بأحد المقدورَين دون الآخر.

فكذلك قولُه: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾، أي: من لم تَعْجَز قدرتُه عن خلق العالم العُلويِّ والسُّفلي، كيف يعجزُ عن

  1. (١) وإلى هذا ذهب جمهور المفسرين. انظر: «معاني القرآن» للزجاج (٤/ ٣٠٩)، و«المحرر الوجيز» (١٢/ ٣٧٤)، و«الوسيط» للواحدي (٣/ ٥٢٨).
    وأجيب عن نظر إبراهيم ﵇ بأجوبةٍ أخرى. انظر: «تنزيه الأنبياء» للشريف المرتضى (٤٥ - ٤٨)، و«معاني القرآن» للنحاس (٦/ ٤٠).
  2. (٢) (ت): «المتكبرين».
1384

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي