الجنة، وتأكلُ من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهبٍ معلَّقةٍ في ظلِّ العرش، فلما وجدوا طِيبَ مأكلهم ومشربهم ومَقِيلهم، قالوا: من يُبَلِّغ عنَّا إخواننا أنَّا في الجنة نُرزَق؛ لئلَّا يزهَدوا في الجهاد، ولا يَنْكُلوا عن الحرب؟ فقال الله: أنا أبلِّغُهم عنكم؛ فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية"١.
وفي "الموطأ"٢ من حديث كعب بن مالكٍ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنما نَسَمةُ المؤمن طائرٌ يَعْلقُ في الجنَّة حتى يُرْجِعَه اللهُ إلى جسده يوم يبعثُه".
وفي "البخاري"٣ أنَّ إبراهيم ابن رسول الله ﷺ لما توفِّي قال رسولُ الله ﷺ: "إنَّ له مُرْضِعًا في الجنة".
وفي "صحيح البخاري"٤ عن عمران بن حصين، قال: قال رسولُ الله ﷺ: "اطَّلعتُ في الجنة فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء، واطَّلعتُ في النَّار فرأيتُ أكثر أهلها النساء".
(١) أخرجه أبو داود (٢٥٢٠)، وأحمد (١/ ٢٦٦)، وغيرهما. وصححه الحاكم (٢/ ٨٨) على شرط مسلم ولم يتعقبه الذهبي، وخرَّجه الضياء في "المختارة" (١٠/ ٣٤٩). وحديث ابن مسعود السابق يشهد له.
(٢) (١/ ٣٢٨)، ومن طريقه أحمد (٣/ ٤٥٥)، والنسائي (٢٠٧٢)، وغيرهما بإسنادٍ صحيح. وصححه ابن حبان (٤٦٥٧). وانظر: "تفسير ابن كثير" (٢/ ٨٠٨، ٧/ ٣٤١٤).
(٣) (١٣٨٢).
(٤) (٣٢٤١).
والآثارُ في هذا الباب أكثر من أن تُذْكَر١.
وأمَّا القولُ بأنَّ الجنة والنار لم تخلقا بعد، فهو قولُ أهل البدع من ضُلَّال المعتزلة ومن قال بقولهم٢، وهم الذين يقولون: إنَّ الجنة التي أُهْبِطَ منها آدمُ إنما كانت جنةً بشرقيِّ٣ الأرض. وهذه الأحاديثُ وأمثالُها تردُّ قولهم.
قالوا: وأمَّا احتجاجُكم بسائر الوجوه التي ذكرتموها في الجنة، وأنها منتفيةٌ في الجنة التي أُسكِنَها آدم، من اللغو والكذب، والنَّصَب والعُرْي، وغير ذلك؛ فهذا كلُّه حقٌّ، لا ننكره نحن ولا أحدٌ من أهل الإسلام؛ ولكن هذا إنما هو إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة، كما يدلُّ عليه سياقُ الكلام، وهذا لا ينفي أن يكون فيها بين آدم وإبليسَ ما حكاه الله ﷿ من الامتحان والابتلاء، ثم٤ يصيرُ الأمرُ عند دخول المؤمنين إليها إلى ما أخبر الله ﷿ به؛ فلا تنافي بين الأمرين.
قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّ الجنة دارُ جزاءٍ وثواب، وليست دار تكليف، وقد كلَّف الله سبحانه آدمَ فيها بالنهي عن الشجرة.