مفتاح دار السعادة

والمقصودُ الكلام على قوله: «إنَّ الاستدلال بحصول الحياة في بِنْية الحيوان على وجود الصَّانع أقوى من دلالة تركيب الأجرام الفلَكيَّة»، وهو مبنيٌّ على هذا الأصل الفاسد.

* وأمَّا استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص: ٢٧]، فعجبٌ من العجب! فإنَّ هذا من أقوى الأدلة وأبينها على بطلان قول المنجِّمين والدَّهرية الذين يُسْنِدُون جميعَ ما في العالم من الخير والشرِّ إلى النجوم وحركاتها واتصالاتها، ويزعمون أنَّ ما تأتي به من الخير والشرِّ مُغْنٍ عن تعريف١ الرسل والأنبياء، وكذلك ما تُعطيه من السُّعود والنُّحوس.

وهذا هو السَّببُ الذي سُقْنا الكلام لأجله معهم لمَّا حكينا قولَهم٢: إنه لمَّا كانت الموجوداتُ في العالم السُّفليِّ مترتِّبةً٣ على تأثير الكواكب والرُّوحانيَّات التي هي مدبِّراتُ الكواكب، وكان٤ في اتصالاتها نَظَرُ سعدٍ ونحس، وَجَبَ أن يكون في آثارها حُسْنٌ وقُبحٌ في الخَلق والأخلاق، والعقولُ الإنسانيةُ متساويةٌ في النوع، فوجبَ أن يدركها كلُّ عقلٍ سليم، ولا يتوقَّفُ إدراكُها على من هو مثلُ ذاك العاقل في النوع، ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾.

  1. (١) (ق، ت): «والشر فعن تعريف». وهو تحريفٌ قبيح.
  2. (٢) فيما تقدم (ص: ١٠٠٢، ١١٧٣).
  3. (٣) في الموضعين المتقدمين: «مركبة». وفي «نهاية الأقدام»: «مرتبة».
  4. (٤) في الأصول: «وإن كان». والمثبت من الموضع المتقدم (ص: ١٠٠٢).
1390

إلى آخر كلامكم المتضمِّن خلقَ السموات الأرض بغير أمرٍ ولا نهيٍ ولا ثوابٍ ولا عقاب.

وهذا هو الباطلُ الذي نفاهُ الله سبحانه عن نفسه، وأخبر أنه ظَنُّ أعدائه الكافرين، ولهذا اتفقَ المفسِّرون على أنَّ الحقَّ الذي خُلِقَت به السمواتُ والأرض هو الأمرُ والنهيُ وما يترتَّبُ عليهما من الثواب والعقاب١، فمن جحَد ذلك، وجحَد رسالةَ الرسل، وكفَر بالمعاد، وأحالَ حوادثَ العالم على حركات الكواكب، فقد زعَم أنَّ خلقَ السموات والأرض أبطلُ الباطل٢، وأنَّ العالم خُلِقَ عبثًا، وتُرِكَ سُدى، وخُلِّي هملًا، وغايةُ ما خُلِقَ له أن يكون متمتعًا باللذَّات الحِسِّيَّة ــ كالبهائم ــ في هذه المدَّة القصيرة جدًّا، ثمَّ يفارقُ الوجودَ وتُحْدِثُ حركاتُ الكواكب أشخاصًا مثلَه هكذا أبدًا.

فأيُّ باطلٍ أبطلُ من هذا؟! وأيُّ عبثٍ فوق هذا؟! ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ١١٥ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦].

والحقُّ الذي خُلِقَت به السمواتُ والأرضُ وما بينهما هو إلهيَّةُ الربِّ المتضمِّنةُ لكمال حكمته وملكه، وأمرُه ونهيُه المتضمِّنُ لشرعه، وثوابُه وعقابُه المتضمِّنُ لعدله وفضله ولقائه.

فالحقُّ الذي وُجِدَ به العالم كونُ الله سبحانه هو الإله الحقَّ المعبود، والآمرَ الناهي المتصرِّف في الممالك بالأمر والنهي، وذلك يستلزمُ إرسال

  1. (١) انظر ما تقدم (ص: ١٠٧٢) والتعليق عليه.
  2. (٢) (ت): «من أبطل الباطل».
1391

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي