مفتاح دار السعادة

وللحقِّ، ونفسُ خلقه له حقٌّ، وهو شاهدٌ من شواهد الحقِّ، فإنَّ أحقَّ الحقِّ هو التوحيد، كما أنَّ أظلمَ الظُّلم هو الشرك.

ومخلوقاتُ الربِّ تعالى كلُّها شاهدةٌ له بأنه الله الذي لا إله إلا هو، وأنَّ كلَّ معبودٍ باطلٌ سواه، وكلُّ مخلوقٍ شاهدٌ بهذا الحقِّ؛ إمَّا شهادةَ نُطْقٍ، وإمَّا شهادةَ حال، وإنْ ظَهَرَ بفعله وقوله خلافُها، كالمشرك الذي يشهدُ حالُ خلقِه وإبداعِه وصُنعِه لخالقه وفاطره أنه الله الذي لا إله إلا هو، وإنْ عبد غيرَه وزعَم أنَّ له شريكًا، فشاهدُ حاله مكذِّبٌ له مُبْطِلٌ لشهادة فعله وقالِه.

وأمَّا قوله١: «إنه لا يمكن أن يقال: المرادُ أنه خَلَقها على وجهٍ يمكنُ الاستدلالُ بها على الصانع الحكيم ...» إلى آخر كلامه.

فيقال له: إذا كانت دلالتُها على صانعها أمرًا ثابتًا لها لذواتها، وذواتُها إنما وُجِدَتْ بإيجاده وتكوينه، كانت دلالتُها بسبب فعل الفاعل المختار لها، ولكنَّ هذا بناءٌ منه على أصلٍ فاسدٍ يكرِّره في كتبه، وهو أنَّ الذوات ليست بمجعولة، ولا تتعلَّقُ بفعل الفاعل٢، وهذا مما أنكره عليه أهلُ العلم والإيمان، وقالوا: إنَّ كونها ذواتٍ، وإنَّ وجودَها وأوصافَها وكلَّ ما ينسبُ إليها هو بفعل الفاعل، فكونُها ذواتٍ وما يتبعُ ذلك من دلالتها على الصانع كلُّه بجَعْل الجاعل، فهو الذي جعَل الذوات والصِّفات، وثبوتُ دلالتها لذاتها لا ينفي أن تكون بجَعْل الجاعل، فإنه لمَّا جعَلها على هذه الصفة مستلزمةً لدلالتها عليه كانت دلالتُها عليه بجَعْلِه.

  1. (١) أي: الرازي، فيما تقدم من احتجاجه.
  2. (٢) انظر: «فخر الدين الرازي وآراؤه الكلامية» (١٧٠، ٣٦٥).
1393

فإن قيل: لو قُدِّر عدمُ الجاعل لها لم يرتفع كونُها ذواتٍ، ولو كانت ذواتٍ بجَعْلِه لارتفع كونُها ذواتٍ بتقدير ارتفاعه.

قيل: ما تعني بكونها ذواتٍ وماهيَّات؟ أتعني به تحقُّقَ ذلك في الخارج؟ أو في الذِّهن؟ أو أعمَّ منها؟

فإن عنيتَ الأول، فلا ريب في بطلان كونها ذواتٍ وماهيَّات، وعلى تقدير١ ارتفاع الجاعل.

وإن عنيتَ الثَّاني، فالصُّورُ الذِّهنيةُ مجعولةٌ له أيضًا؛ لأنه هو الذي علَّم فأوجَد الحقائق الذِّهنية في العلم، كما أنه الذي خلقَ فأوجَد الحقائقَ الذهنية في العَيْن، فهو الأكرمُ الذي خلق وعلَّم، فما في الذهن بتعليمه، وما في الخارج بخلقه.

وإن عنيتَ القَدْرَ المشتركَ بين الخارج والذِّهن، وهو مسمَّى كونها ذواتٍ وماهيَّاتٍ بقطع النظر عن تقييدٍ بالذِّهن أو الخارج، قيل لك: هذه ليست بشيءٍ البتة، فإنَّ الشيء إنما يكون شيئًا في الخارج أو في الذِّهن والعلم، وما ليس له حقيقةٌ خارجيةٌ ولا ذهنيةٌ فليس بشيء، بل هو عدمٌ صِرْف، ولا ريب أنَّ العدمَ ليس بفعلِ فاعلٍ ولا جَعْلِ جاعل.

فإن قيل: هي لا تنفكُّ عن أحد الوجودَين، إمَّا الذِّهني، وإمَّا الخارجي، ولكن نحن أخذناها مجرَّدةً عن الوجودَين، ونظرنا إليها من هذه الحيثيَّة وهذا الاعتبار، ثمَّ حَكمنا عليها بقطع النظر عن تقييدها بذهنٍ أو خارج.

  1. (١) (ط): «على تقدير».
1394

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي