مفتاح دار السعادة

قيل: الحكمُ عليها بشيءٍ ما١ يستلزمُ تصوُّرَها ليمكنَ الحكمُ عليها، وتصوُّرُها مع أخذها مجرَّدةً عن الوجود الذِّهنِيِّ٢ مُحال.

فإن قيل: مسلَّمٌ أنَّ ذلك مُحال، ولكن إذا أخذناها مع وجودها الذِّهنيِّ أو الخارجيِّ فهنا أمران: حقيقتُها وماهيتها، والثاني: وجودُها الذِّهنيُّ أو الخارجي، فنحن أخذناها موجودةً، وحكمنا عليها مجردةً، فالحكمُ على جزء هذا المأخوذ المتصوَّر.

قيل: هذا القدرُ المأخوذُ عدمٌ محضٌ ــ كما تقدم ــ، والعدمُ لا يكونُ بجَعْلِ جاعل.

ونكتةُ المسألة: أنَّ الذَّوات من حيث هي ذواتٌ إمَّا أن تكون وجودًا أو عدمًا، فإن كانت وجودًا فهي بجَعْلِ الجاعل، وإن كانت عدمًا فالعدمُ كاسمه، ولا يتعلَّقُ بجَعْلِ الجاعل٣.

فصل

* وأمَّا قولُه: إنَّ إبراهيم ﷺ كان اعتمادُه في إثبات الصَّانع على الدلائل الفلَكيَّة، كما قرَّره؛ فيقال: من العجب ذِكرُكم لخليل الرحمن في هذا المقام، وهو أعظمُ عدوٍّ لعبَّاد الكواكب والأصنام التي اتخِذَت على صُورِها، وهم أعداؤه الذين ألقوه في النار، حتى جعلها الله عليه بردًا وسلامًا، وهو ﷺ أعظمُ الخلق براءةً منهم.

  1. (١) (ت): «الحكم عليها مبني على ما».
  2. (٢) (ق): «الوجود والذهن». وهو تحريف.
  3. (٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢/ ١٤٤، ٨/ ١٨٢، ١٦/ ٢٦٥).
1395

وأمَّا ذلك التقريرُ١ الذي قرره الرازيُّ في المناظرة بينه وبين المَلِك المعطِّل؛ فمما لم يخطُر بقلب إبراهيم، ولا بقلب المشرك، ولا يدلُّ اللفظُ عليها البتَّة، وتلك المناظرةُ التي ذكرها الرازيُّ تشبه أن تكون مناظرةً بين فيلسوفٍ ومتكلِّم! فكيف يسوغُ أن يقال: إنها هي المرادةُ من كلام الله تعالى؟! فيُكْذَبَ على الله، وعلى خليله، وعلى المشرك المعطِّل! وإبراهيمُ أعلمُ بالله ووحدانيته وصفاته من أن يرضى٢ بهذه المناظرة.

ونحن نذكرُ كلامَ أئمَّة التفسير في ذلك ليُفْهَم معنى المناظرة، وما دلَّ عليه القرآنُ من تقريرها.

قال ابن جرير٣: معنى الآية: ألم تر يا محمَّد إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه حين قال له إبراهيم: ربِّي الذي يحيي ويميت، يعني بذلك: ربِّي الذي بيده الحياة والموت، يحيي من يشاءُ ويميتُ من أرادَ بعد الإحياء، قال: أنا أفعلُ ذلك، فأحيي وأميت، أستحيي من أردتُ قتله فلا أقتله، فيكون ذلك منِّي إحياءً له ــ وذلك عند العرب يسمَّى: إحياءً، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]ــ، وأقتلُ آخَر، فيكونُ ذلك منِّي إماتةً له. قال إبراهيمُ له: فإنَّ الله هو الذي يأتي بالشمس من مشرقها، فإن كنتَ صادقًا أنك إلهٌ فأتِ بها من مغربها. قال الله ﷿: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾، يعني: انقطَع وبطلَت حجَّته.

  1. (١) في الأصول: «التدبير». والمثبت من (ط).
  2. (٢) غير محررة في الأصول، ورسمها يشبه: «يوصى». وفي (ط): «يوحي إليه». ولعل الصواب ما أثبت.
  3. (٣) (٥/ ٤٣٢ - ٤٣٧).
1396

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي