مفتاح دار السعادة

ثمَّ ذَكر من قال ذلك من السَّلف.

فروى عن قتادة: ذُكِرَ لنا أنه دعا برجلين، فقتَل أحدَهما واستحيا الآخَر، وقال: أنا أحيي هذا وأميتُ هذا، قال إبراهيمُ عند ذلك: فإنَّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب.

وعن مجاهد: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ أقتلُ من شئتُ، وأستحيي من شئتُ أدعُه حيًّا فلا أقتلُه.

وقال ابن وهب: حدثني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنَّ الجبَّار قال لإبراهيم: أنا أحيي وأميت، وإن شئتُ قتلتُك وإن شئتُ استحييتُك، فقال إبراهيم: إنَّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب. فبُهِتَ الذي كفر.

وقال الربيع: لما قال إبراهيم: ربِّي الذي يحيى ويميت، قال هو ــ يعني نمرود ــ: فأنا أحيي وأميت، فدعا برجلين فاستحيا أحدَهما وقتَل الآخر، وقال: أنا أحيي وأميت، أي: أستحيي من شئتُ، فقال إبراهيم: فإنَّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب.

وقال السُّدِّي: لما خرجَ إبراهيمُ من النار أدخلوه على المَلِك، ولم يكن قبل ذلك دخَل عليه، فكلَّمه وقال له: من ربُّك؟ قال: ربِّي الذي يحيي ويميت، قال نمرود: أنا أحيي وأميت، أنا آخذُ أربعةَ نفرٍ فأُدخِلهم بيتًا فلا يُطْعَمون ولا يُسْقَون، حتى إذا هلكوا من الجوع أطعمتُ اثنين وسقيتُهما فعاشا، وتركتُ الاثنين فماتا، فعَرف إبراهيمُ أنَّ له قدرةً بسلطانه ومُلكه على أن يفعَل ذلك، قال إبراهيم: فإنَّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من

1397

المغرب. فبُهِتَ الذي كفر١، وقال: إنَّ هذا إنسانٌ مجنون، فأخرِجُوه، ألا ترون أنه من جنونه اجتَرأ على آلهتكم فكسَرها، وأنَّ النارَ لم تأكله. وخشي أن يفتضحَ في قومه، وكان يزعمُ أنه ربٌّ، فأمَر بإبراهيم فأُخرِج.

وقال مجاهد: أحيي فلا أقتُل، وأميتُ من قتلتُ.

وقال ابن جريج: أُتِيَ برجلين، فقتَل أحدَهما وترَك الآخر، فقال: أنا أحيي وأميت، أقتلُ٢ فأميتُ من قتلتُ، وأحيي فلا أقتُل.

وقال ابن إسحاق: ذُكِرَ لنا ــ والله أعلم ــ أنَّ نمرودَ قال لإبراهيم: أرأيتَ إلهك هذا الذي تعبدُ وتدعو إلى عبادته وتذكرُ من قدرته التي تعظِّمه بها على غيره، ما هو؟ قال إبراهيم: ربِّي الذي يحيي ويميت، قال نمرود: أنا أحيي وأميت، فقال له إبراهيم: كيف تحيي وتميت؟ قال: آخذُ الرجلين قد استوجبا القتلَ في حكمي، فأقتلُ أحدَهما فأكونُ قد أمتُّه، وأعفو عن الآخر فأتركُه، فأكونُ قد أحييتُه، فقال له إبراهيم عند ذلك: فإنَّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب، أَعرِفْ أنه كما تقول، فبُهِتَ عند ذلك نمرود، ولم يرجِع إليه شيئًا، وعرَف أنه لا يطيقُ ذلك.

فهذا كلامُ السَّلف في هذه المناظرة، وكذلك سائرُ المفسِّرين بعدهم، لم يقل أحدٌ منهم قطُّ: إن معنى الآية أنَّ هذا الإحياءَ والإماتةَ حاصلٌ منِّي ومن كلِّ أحد، فإنَّ الرجلَ قد يكون منه الحدوثُ بواسطة تمزيجِ الطبائع وتحريك الأجرام الفلَكيَّة.

  1. (١) (ت): «فبهت الذي كفر عند ذلك».
  2. (٢) ساقطة من (ق). وهي في (د، ت) و«التفسير».
1398

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي