مفتاح دار السعادة

والآثارُ في هذا الباب أكثر من أن تُذْكَر١.

وأمَّا القولُ بأنَّ الجنة والنار لم تخلقا بعد، فهو قولُ أهل البدع من ضُلَّال المعتزلة ومن قال بقولهم٢، وهم الذين يقولون: إنَّ الجنة التي أُهْبِطَ منها آدمُ إنما كانت جنةً بشرقيِّ٣ الأرض. وهذه الأحاديثُ وأمثالُها تردُّ قولهم.

قالوا: وأمَّا احتجاجُكم بسائر الوجوه التي ذكرتموها في الجنة، وأنها منتفيةٌ في الجنة التي أُسكِنَها آدم، من اللغو والكذب، والنَّصَب والعُرْي، وغير ذلك؛ فهذا كلُّه حقٌّ، لا ننكره نحن ولا أحدٌ من أهل الإسلام؛ ولكن هذا إنما هو إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة، كما يدلُّ عليه سياقُ الكلام، وهذا لا ينفي أن يكون فيها بين آدم وإبليسَ ما حكاه الله ﷿ من الامتحان والابتلاء، ثم٤ يصيرُ الأمرُ عند دخول المؤمنين إليها إلى ما أخبر الله ﷿ به؛ فلا تنافي بين الأمرين.

قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّ الجنة دارُ جزاءٍ وثواب، وليست دار تكليف، وقد كلَّف الله سبحانه آدمَ فيها بالنهي عن الشجرة.

فجوابُه من وجهين:

  1. (١) انظر: "حادي الأرواح" (٣٣ - ٤٥)، و"التيجان" لابن هشام (٢٠)، و"نظم المتناثر" للكتاني (٢٣٢).
  2. (٢) انظر: "أوائل المقالات" للمفيد (١٢٤، ٢٢٠)، و"حقائق التأويل" للشريف الرضي (٢٤٥)، و"الفِصَل" (٤/ ١٤١)، و"الانتصار" للعمراني (٦٥٩).
  3. (٣) مهملة في (د). وفي (ت، ق): "تسير في".
  4. (٤) (ت): "حتى".
49

أحدهما: أنها إنما يمتنعُ أن تكون دارَ تكليفٍ إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة، فحينئذٍ ينقطعُ التكليف، وأما امتناعُ وقوع التكليف فيها في دار الدنيا فلا دليل عليه.

الثاني: أنَّ التكليفَ فيها لم يكن بالأعمال التي يُكلَّف بها الناسُ في الدنيا، من الصيام والصلاة والجهاد ونحوها، وإنما كان حَجْرًا عليه في شجرةٍ من جملة أشجارها١، وهذا لا يمتنعُ وقوعُه في جنة الخلد، كما أنَّ كلَّ أحدٍ محجورٌ عليه أن يَقْرَبَ أهلَ غيره فيها.

فإن أردتم بأنَّ الجنة ليست دارَ تكليفٍ امتناعَ وقوع مثل هذا فيها في وقتٍ من الأوقات فلا دليل لكم عليه، وإن أردتم أنَّ غالبَ التكاليف التي تكونُ في الدنيا منتفيةٌ فيها فهو حقٌّ ولكن لا يدلُّ على مطلوبكم.

قالوا: وهذا كما أنه مُوجَبُ الأدلة، فهو قولُ٢ سلف الأمة، فلا نعرفُ٣ بقولكم قائلًا من أئمة العلم، ولا يُعَرَّجُ عليه، ولا يُلْتفَت إليه.

وقال الأولون: الجوابُ عمَّا ذكرتم من وجهين؛ مجمل ومفصَّل:

أما المجمل: فإنكم لم تأتوا على قولكم بدليلٍ يتعيَّنُ المصيرُ إليه، لا من قرآنٍ، ولا من سنَّة، ولا من أثرٍ ثابتٍ عن أحدٍ من أصحاب رسول الله ﷺ، ولا التابعين، لا مسندًا ولا مقطوعًا.

ونحن نُوجِدُكم من قال بقولنا:

  1. (١) (ت): "من بعض جملة أشجارها".
  2. (٢) في الأصول: "وقول". والمثبت أشبه بالسياق.
  3. (٣) (ق، د، ح، ن): "يعرف".
50

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي