ومقرِّر، لتضمُّن الدليلين١ أفعالَ الربِّ الدالَّة عليه وعلى وحدانيته وانفراده بالربوبية٢ والإلهية، لا تقدرُ٣ أنت ولا غيرُ الله على مثلها.
ولمَّا عَلِمَ عدوُّ الله صحةَ ذلك، وأنَّ من هذا شأنُه على كلِّ شيءٍ قدير، لا يُعجِزُه شيء، ولا يستصعبُ عليه مراد، خافَ أن يقول لإبراهيم: فسَل ربَّك أن يأتي بها من مغربها، فيفعَل ذلك، فيظهرَ لأتباعه بطلانُ دعواه وكذبُه، وأنه لا يصلحُ للربوبية، فبُهِتَ وأمسَك.
وفي هذه المناظرة نكتةٌ لطيفةٌ جدًّا، وهي أنَّ شركَ العالَم إنما هو مستندٌ إلى عبادة الكواكب والقبور، ثمَّ صُوِّرت الأصنامُ على صُوَرها ــ كما تقدَّم ــ.
فتضمَّن الدليلان اللذان استدلَّ بهما إبراهيمُ إبطالَ إلهيَّة تلك جملةً بأنَّ الله وحده هو الذي يحيي ويميت، ولا يصلحُ الحيُّ الذي يموت للإلهية، لا في حال حياته ولا بعد موته؛ فإنَّ له ربًّا قادرًا قاهرًا متصرِّفًا فيه أحياهُ وأماته، ومَن كان كذلك فكيف يكونُ إلهًا حتى يتَّخذ الصَّنمُ على صُورته ويُعْبَد من دونه؟!
وكذلك الكواكبُ أظهرُها وأكبرُها للحِسِّ هذه الشمس، وهي مربوبةٌ مدبَّرةٌ مسخَّرةٌ لا تصرُّفَ لها في نفسها بوجهٍ ما، بل ربُّها وخالقُها سبحانه يأتي بها من مشرقها، فتنقادُ لأمره ومشيئته، فهي مربوبةٌ مسخَّرةٌ مدبَّرةٌ، لا إلهًا يُعْبَدُ من دون الله.
(١) (ت): «الدليل».
(٢) (ت): «بالربوبية والوحدانية».
(٣) (ط): «كما لا تقدر».
فصل
* وأمَّا استدلالُه بأن النبيَّ ﷺ نهى عند قضاء الحاجة عن استقبال١ الشَّمس والقمر واستدبارهما؛ فكأنه ــ والله أعلم ــ لمَّا رأى بعضَ الفقهاء قد قالوا ذلك في كتبهم في آداب التخلِّي: «ولا يَسْتَقبِلُ الشمسَ والقمر»٢، ظنَّ أنهم إنما قالوا ذلك لنهي النبي ﷺ عنه، فاحتجَّ بالحديث!
وهذا مِن أبطل الباطل؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يُنْقَل عنه ذلك٣ في كلمةٍ واحدة، لا بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ ولا مرسلٍ ولا متصل٤، وليس لهذه المسألة أصلٌ في الشرع، والذين ذكروها من الفقهاء منهم من قال: العلَّةُ في ذلك أنَّ اسمَ الله مكتوبٌ عليهما، ومنهم من قال: لأنَّ نُورَهما مِن نور الله، ومنهم من قال: إن التنكُّبَ عن استقبالهما واستدبارهما أبلغُ في التستُّر وعدم ظهور الفرجَيْن٥.
وبكلِّ حالٍ، فما لهذا ولأحكام النجوم؟! فإن كان هذا دالًّا على دعواكم فدلالةُ النَّهي عن استقبال الكعبة بذلك أقوى وأولى.
* وأمَّا استدلالُه بأنَّ النبيَّ ﷺ قال يوم موت ولده إبراهيم: «إنَّ الشَّمس