مفتاح دار السعادة

لعباده، أجرى العادةَ بحصوله في أوقاتٍ معلومةٍ بالحساب، كطلوع الهلال وإبداره وسِراره١.

فأمَّا سببُ كسوف الشمس فهو توسُّطُ القمر بين جِرْم الشمس وبين أبصارنا، فإنَّ القمرَ عندهم جسمٌ كثيفٌ مُظلِم، وفلكُه دون فلَك الشمس، فإذا كان على مسامتة إحدى نقطتي الرأس أو الذَّنَب أو قريبًا منهما حالةَ الاجتماع من تحت الشمس حالَ بيننا وبين نور الشمس، كسحابةٍ تمرُّ تحتها إلى أن تُجَاوزَها من الجانب الآخر، فإن لم يكن للقمر عرضٌ سَتَر عنَّا نورَ كلِّ الشمس، وإن كان له عرضٌ فبقَدْرِ ما يُوجِبه عرضُه.

وذلك أنَّ الخطوطَ الشُّعاعية تخرجُ من بصر الناظر إلى المرئيِّ على شكلِ مخروطٍ رأسُه [عند] نقطة البصر، وقاعدتُه عند جِرْم المرئيِّ، فإذا وجَّهنا أبصارَنا إلى جِرْم الشمس حالةَ كسوفها فإنه ينتهي إلى القمر أولًا مخروطُ الشُّعاع، فإذا توهَّمنا نفوذَه منه إلى الشمس وقع٢ جِرْمُ الشمس في وسط المخروط، وإن لم يكن للقمر عرضٌ انكسف كلُّ الشمس، وإن كان للقمر عرضٌ فبقَدْرِ ما يوجبُه عرضُه ينحرفُ جِرْمُ الشمس عن مخروط الشُّعاع، ولا يقعُ كلُّه فيه، فينكسفُ بعضُه ويبقى الباقي على ضيائه، وذلك إذا كان العرضُ المرئيُّ أقلَّ من نصف مجموع قُطْرِ الشمس والقمر، حتى إذا ساوى العرضُ المرئيُّ نصف مجموع القُطْرين كان صفحةُ القمر تماسُّ٣ مخروطَ الشُّعاع، فلا ينكسفُ ولا يكونُ لكسوف الشمس لُبْثٌ؛ لأنَّ قاعدةَ

  1. (١) وهو آخر الشهر عندما يستسرُّ الهلال.
  2. (٢) في الأصول: «ومع». والمثبت من (ط).
  3. (٣) (ت): «رأس».
1404

المخروط المتَّصل بالشمس مساوٍ لِقُطْرَيها، فكلما١ ابتدأ القمرُ بالحركة بعد تمام الموازاة بينه وبين الشمس تحرَّك المخروطُ وابتدأت الشمسُ بالإسفار.

إلا أنَّ كسوفَ الشمس يختلفُ باختلاف أوضاع المَساكِن، حتى إنه يُرى في بعضها ولا يُرى في بعضها، ويُرى في بعضها أقلَّ وفي بعضها أكثر بسبب اختلاف المنظر، إذ الكاسفُ ليس عارضًا في جِرْم الشمس ليستوي فيه النُّظَّارُ من جميع الأماكن، بل الكاسفُ شيءٌ متوسطٌ بينها وبين الأبصار وهو قريبٌ منَّا، والمحجوبُ عنَّا بعيد، فيختلفُ التوسُّطُ باختلاف مواضع الناظرين.

وكذلك يختلفُ كسوفُ الشمس في مَباديها وعند انجلائها في كمِّية ما ينكسفُ منها، وفي زمان كسوفها الذي هو من أول البُدُوِّ إلى وسطِ الكسوف، ومن وسط الكسوف إلى آخر الانجلاء.

فإن قيل: فجِرْمُ القمر أصغرُ من جِرْم الشمس بكثير، فكيف يحجُب عنَّا كلَّ الشمس؟!٢

قيل: إنما يحجُب عنَّا جِرْمَ الشمس لقربه منَّا وبُعْدِها عنَّا؛ لأنَّ الشيئين٣ المختلفَين في الصِّغَر والكِبَر إذا قَرُبَ الصغيرُ من الكبير يُرى من

  1. (١) في الأصول: «فكما». والمثبت أشبه.
  2. (٢) انظر: «عارضة الأحوذي» (٣/ ٣٧)، و«فتح الباري» (٢/ ٥٣٧)، و«عمدة القاري» (٧/ ٦٧).
  3. (٣) (ق): «السببين».
1405

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي