مفتاح دار السعادة

أطراف الكبير أكثرَ١ ما يُرى منها مع بُعْدِ الأصغر عنه، وكلَّما بَعُدَ الأصغر عنه وازداد قربُه من النَّاظر تناقصَ ما يُرى من أطراف الأكبر، إلى أن ينتهي إلى حدٍّ لا يُرى من الأكبر شيء، والحِسُّ شاهدٌ بذلك.

وأمَّا سببُ خسوف القمر؛ فهو توسطُ الأرض بينه وبين الشمس، حتى يصير القمرُ ممنوعًا من اكتساب النُّور من الشمس، ويبقى ظلامُ ظلِّ الأرض في مَمرِّه؛ لأنَّ القمرَ لا ضوءَ له أبدًا، وإنما يكتسبُ الضوءَ من الشمس.

وهل هذا الاكتسابُ خاصٌّ بالقمر أم يشاركه فيه سائرُ الكواكب؟ ففيه قولان لأرباب الهيئة:

أحدُهما: أنَّ الشمسَ وحدَها هي المضيئةُ بذاتها، وغيرُها من الكواكب مستضيئةٌ بضيائها على سبيل العَرَض، كما عُرِفَ ذلك في القمر.

والقولُ الثاني: أنَّ القمرَ مخصوصٌ بالكُمُودة٢ دون سائر الكواكب وغيرُه من الكواكب مضيئةٌ بذاتها، كالشمس.

وردَّ هؤلاء على أرباب القول الأول بأنَّ الكواكب لو استفادت أضواءها من الشمس لاختَلف مقاديرُ تلك الأضواء فيما كان تحت فلَك الشمس منها بسبب القُرب والبُعد من الشمس، كما في القمر، فإنه يختلفُ٣ ضوؤه بحسب قُربه وبُعده من الشمس.

والذي حملَ أربابَ القول عليه ما وجدوه مِن تعلُّق حركات الكواكب

  1. (١) (ق): «أكبر».
  2. (٢) وهي القتمة القريبة من السَّواد، كما تقدم تفسيره (ص: ١٢٦٨).
  3. (٣) في الأصول: «لا يختلف». وهو خطأ.
1406

بحركات الشمس، وظنُّوا أنَّ أضواءها مِن ضيائها.

وليس الغرضُ استيفاءَ الحِجَاج من الجانبين، وما لكلِّ قولٍ وعليه، والمقصودُ ذكرُ سبب الخسوف القمريِّ.

ولمَّا كانت الأرض جسمًا كثيفًا، فإذا أشرقت الشمسُ على جانبٍ منها فإنه يقعُ لها ظلٌّ في الجهة الأخرى؛ لأنَّ كلَّ ذي ظلٍّ يقعُ في الجهة المقابلة للجِرْم المضيء، فمتى أشرقَت عليها من ناحية المشرق وقعت أظلالُها في ناحية المغرب، وإذا وقعَت عليها من ناحية المغرب مالت أظلالُها إلى ناحية المشرق.

والأرضُ أصغرُ من جِرْم الشمس بكثير، فينبعثُ ظلُّها ويرتفعُ في الهواء على شكلِ١ مخروطٍ قاعدتُه قريبةٌ من تدوير الأرض، ثمَّ لا يزالُ ينخرطُ تدويرًا حتى يَدِقَّ ويتلاشى؛ لأنَّ قُطر الشمس لمَّا كان أعظمَ من قُطر الأرض، فالخطوطُ الشُّعاعيةُ المارَّة من جوانب الشمس إلى جوانب الأرض تكونُ متلاقيةً لا متوازية، فإذا مرَّت على الاستقامة إلى الأرض انقذفت٢ على جوانبها، فتلتقي٣ لا محالة إلى نقطة، فينحصر ظلُّ الأرض في سطحٍ مخروط، فيكون مخروطًا لا محالة، قاعدتُه حيثُ ينبعثُ من الأرض، ورأسُه عند نقطة تلاقي الخطوط.

ولو كان قُطر الأرض مساويًا لقُطر الشمس لكانت الخطوط الشُّعاعيةُ

  1. (١) (د): «شطر». (ق): «سطر». (ت): «شرط». والمثبت من (ط).
  2. (٢) في الأصول: «انقذف». والمثبت من (ط).
  3. (٣) (ق): «فيلتقي».
1407

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي