الكسوفَ سببًا له أو بعضه، ولهذا قلَّ ما تسلَمُ أطرافُ الأرض ــ حيث يخفى الإيمانُ وما جاءت به الرسل فيها ــ من شرٍّ عظيمٍ يحصلُ فيها بسبب الكسوف، وتسلَمُ منه الأماكنُ التي يظهرُ فيها نورُ النبوَّة والقيامُ بما جاءت به الرسل، أو يقلُّ فيها جدًّا.
ولمَّا كُسِفَت الشمسُ على عهد النبيِّ ﷺ قام فَزِعًا مسرعًا يجرُّ رداءه، ونادى في الناس: الصَّلاةَ جامعة، وخَطَبهم بتلك الخطبة البليغة، وأخبرَ أنه لم يَر كيومه ذلك في الخير والشرِّ، وأمَرهم عند حصول مثل تلك الحالة بالعِتاقة والصَّدقة والصلاة والتوبة.
فصلواتُ الله وسلامه على أعلم الخلق بالله وبأمره وشأنه وتصريفه أمورَ مخلوقاته وتدبيره، وأنصحِهم للأمة، ومَن دعاهم إلى ما فيه سعادتُهم في معاشهم ومَعادهم، ونهاهم عمَّا فيه هلاكُهم في معاشهم ومعادهم.
ولقد جنى١ على ما جاءت به الرسلُ طائفتان٢، هلَك بسببهما من شاء الله، ونجا مِن شركهما من سبقت له العنايةُ من الله٣:
* إحدى الطائفتين٤ وقفَت مع ما شاهَدَته وعَلِمَته من أمور هذه الأسباب والمسبَّبات، وأحالت الأمرَ عليها، وظنَّت أنه ليس بعدها شيء، فكفَرت بما جاءت به الرسل وجحَدت المبدأ والمعاد والتوحيد والنبوَّات، وغرَّها٥ ما انتهى إليه علومُها ووقفَت عنده أقدامُها من العلم بظاهرٍ من
(١) (ت): «حي». ومهملة في (ق).
(٢) (ط): «ولقد خفي ما جاءت به الرسل على طائفتين».
(٣) تضاف حاشية: انظر ذكر هاتين الطائفتين في: "المنقذ من الضلال" للغزالي (٧٩ - ٨١).
(٤) وهم الفلاسفة.
(٥) في الأصول: «وغيرها». وهو تحريف.
المخلوقات وأحوالها.
وجاء ناسٌ جُهَّالٌ رأوهم قد أصابوا في بعضها أو كثيرٍ منها، فقالوا: كلُّ ما قاله هؤلاء فهو صواب؛ لِمَا ظهر لنا من صوابهم.
وانضافَ إلى ذلك أنَّ أولئك لمَّا وقفوا على الصواب فيما أدَّتهم إليه أفكارُهم من الرياضيات١ وبعض الطبيعيات وَثِقُوا بعقولهم، وفرحوا بما عندهم من العلم، وظنُّوا أنَّ سائر ما أحْكَمَتْه٢ أفكارُهم من العلم بالله وشأنه وعظمته هو كما أوقعهم عليه فكرُهم، وحكمُه حكمُ ما شهد به الحِسُّ من الطبيعيات والرياضيات؛ فتفاقمَ الشرُّ، وعَظُمَت المصيبة، وجُحِدَ اللهُ وصفاتُه وخلقُه للعالَم وإعادتُه له، وجُحِدَ كلامُه ورسلُه ودينُه.
ورأى كثيرٌ من هؤلاء أنهم هم خواصُّ النوع الإنسانيِّ وأهلُ الألباب، وأنَّ ما عداهم هم القُشور، وأنَّ الرسلَ إنما قاموا بسياستهم لئلَّا يكونوا كالبهائم، فهم بمنزلة قيِّم المارِستان٣، وأمَّا أهلُ العقول والرياضات٤ والأفكار فلا يحتاجون إلى الرسل، بل هم يعلِّمون الرسلَ ما يصنعونه٥ للدَّعوة الإنسانية، كما تجدُ في كتبهم: وينبغي للرسول أن يفعلَ كذا وكذا!
(١) في الأصول: «الرياضات».
(٢) (ت): «اخذ منه». (د، ق): «خدمته». وهو تحريف. وستأتي على الصواب.