هذا، وأين١ تعلُّق الرياضيات التي هي نظرٌ في نوعي الكمِّ المتصل والمنفصل٢، والمنطقيات التي هي نظرٌ في المعقولات الثانية٣ ونسبة بعضها إلى بعض بالكلِّية والجزئيَّة والسَّلب والإيجاب وغير ذلك= بمعرفة ربِّ العالمين وأسمائه وصفاته وأفعاله، وأمره ونهيه، وما جاءت به رسلُه، وثوابه وعقابه؟!
ومن الخدع الإبليسيَّة قولُ الجُهَّال: إنَّ فهمَ هذه الأمور موقوفٌ على فهم هذه القضايا العقلية.
وهذا هو عينُ الجهل والحُمْق، وهو بمنزلة قول القائل: لا يَعرفُ حدوثَ الرُّمانة من لم يعرف عددَ حبَّاتها وكيفيةَ تركيبها وطبعَها! ولا يعرفُ حدوثَ العَيْن من لم يعرف عدد طبقاتها وتشريحها وما فيها من التركيب! ولا يعرفُ حدوثَ هذا البيت من لم يعرف عددَ لَبِنَاته وأخشابه وطبائعها ومقاديرها! وغير ذلك من الكلام الذي يضحكُ منه كلُّ عاقل، وينادي على جهل قائله وحُمْقِه٤.
(١) في الأصول: «وإن». تحريف.
(٢) الرياضيات نظرٌ في الكمِّ المنفصل، وهو الحساب. والهندسيَّات نظرٌ في الكمِّ المتصل، وحاصله بيان كرِّية السماوات، وعدد طبقاتها، وعدد الأكر المتحركة في الأفلاك، ومقادير حركاتها. انظر: «تهافت الفلاسفة» (٨٤).
(٣) مهملة في (ق، د). وفي (ت): «التالي». وهو تحريف. والمعقولات الأولى هي البديهيات، والثانية هي المكتسبة. انظر: «الإشارات والتنبيهات» لابن سينا (١/ ١١٣، ١١٨، ١٣٠، ١٩٠)، و«الرد على المنطقيين» (١٣٠، ١٧٩).
(٤) انظر: «تهافت الفلاسفة» (٨٤، ٨٥).
بل العلمُ بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله ودينه لا يحتاجُ إلى شيءٍ من ذلك، ولا يتوقَّفُ عليه، وآياتُ الله التي دعا عبادَه إلى النظر فيها دالَّةٌ عليه بأوَّلِ النظر١ دلالةً يشتركُ فيها كلُّ سليم العقل والحاسَّة.
وأمَّا أدلةُ هؤلاء، فخيالاتٌ وهميَّة، وشُبَهٌ عَسِرَةُ المُدْرَك، بعيدةُ التحصيل، متناقضةُ الأصول، غيرُ مؤدِّيةٍ إلى معرفة الله ورسله والتصديق بها، مستلزمةٌ للكفر بالله وجَحْدِ ما جاءت به رسلُه.
وهذا لا يصدِّق به إلا من عرفَ ما عند هؤلاء، وعرفَ ما جاءت به الرسل، ووازَن بين الأمرين، فحينئذٍ يظهرُ له التفاوت، وأمَّا من قلَّدهم وأحسنَ ظنَّه بهم ولم يعرف حقيقةَ ما جاءت به الرسلُ فليس هذا عُشَّه، بل هو في أوديةٍ هائمٌ حيران، ينقادُ لكلِّ حيران.
يَغْدُو من العلم في ثوبين مِنْ طَمَعٍمُعَلَّمَيْن بحِرْمانٍ وخِذلانِ٢
والطائفةُ الثانية٣: رأت مقابلةَ هؤلاء بردِّ كلِّ ما قالوه من حقٍّ وباطل وظنُّوا أنَّ مِن ضرورة تصديق الرسل ردَّ ما عَلِمَه هؤلاء بالعقل الضروريِّ، وعلموا مقدِّماته بالحِسِّ، فنازعوهم فيه، وتعرَّضوا لإبطاله بمقدِّماتٍ جدليَّةٍ لا تغني من الحقِّ شيئًا، وليتهم مع هذه الجِناية العظيمة لم يُضِيفوا ذلك إلى الرسل، بل زعموا أنَّ الرسلَ جاؤوا بما يقولونه، فساء ظنُّ أولئك الملاحدة بالرسل، وظنُّوا أنهم هم أعلمُ وأعرفُ منهم، ومن حَسُنَ ظنُّه منهم بالرسل
(١) تقدم بيان المراد به (ص: ١٢٤٢).
(٢) لم أجد البيت في مصدرٍ آخر.
(٣) وهم المتكلمون. انظر: «الرد على المنطقيين» (٢٦٠، ٢٧٣ - ٢٧٤)، و«شفاء العليل» (٥٧٤).