مفتاح دار السعادة

قال: إنهم لم يَخْفَ عليهم ما نقولُه، ولكنْ خاطَبوهم بما تحتملُه عقولُهم من الخطاب الجمهوريِّ النافع للجمهور، وأمَّا الحقائقُ فكتموها عنهم.

والذي سلَّطهم على ذلك جحدُ هؤلاء لحقِّهم، ومكابرتُهم إيَّاهم على ما لا تمكنُ المكابرةُ عليه مما هو معلومٌ لهم بالضرورة؛ كمكابرتهم إيَّاهم في كون الأفلاك كُرِيَّةَ الشَّكل، والأرض كذلك، وأنَّ نورَ القمر مستفادٌ من نور الشمس، وأنَّ الكسوفَ القمريَّ عبارةٌ عن انمحاء ضوء القمر بتوسُّط الأرض بينه وبين الشمس من حيثُ إنه يقتبسُ نورَه منها، والأرضُ كرةٌ والسماءُ محيطةٌ بها من الجوانب، فإذا وقعَ القمرُ في ظلِّ الأرض انقطعَ عنه نورُ الشمس، كما قدَّمنا.

وكقولهم: إنَّ الكسوفَ الشمسيَّ معناه وقوعُ جِرْم القمر بين الناظر وبين الشمس عند اجتماعهما في العقدتين على دقيقةٍ واحدة١.

وكقولهم بتأثير الأسباب المحسوسة في مسبَّباتها، وإثباتِ القُوى والطبائع والأفعال والانفعالات، مما تقوم عليه الأدلةُ العقلية٢ والبراهينُ اليقينية.

فيخوضُ هؤلاء معهم في إبطاله، فيُغرِيهم ذلك بكُفرهم وإلحادهم والوصيَّة لأصحابهم بالتمسُّك بما هم عليه، فإذا قال لهم هؤلاء: هذا الذي تذكرونه على خلاف الشرع، والمصيرُ إليه كفرٌ وتكذيبٌ بالرسل، لم يستريبوا في ذلك، ولم يلحقهم فيه شكٌّ، ولكنَّهم يستريبون بالشرع، وتنقُص

  1. (١) انظر: «تهافت الفلاسفة» (٨٠).
  2. (٢) (ت): «العامة». ولم تحرر في (د، ق). والمثبت من (ط).
1418

مرتبةُ الرسل من قلوبهم.

وضررُ الدِّين وما جاءت به الرسل بهؤلاء مِن أعظم الضرر، وهو كضرره بأولئك الملاحدة، فهما ضرران عظيمان على الدِّين: ضررُ من يطعنُ فيه، وضررُ من ينصرُه بغير طريقه.

وقد قيل: إنَّ العدوَّ العاقلَ أقلُّ ضررًا من الصديق الجاهل١، فإنَّ الصَّديقَ الجاهلَ يضرُّك من حيثُ يقدِّر أنه ينفعك، والشأنُ كلُّ الشأن أن تجعلَ العاقل صديقَك، ولا تجعلَه عدوَّك، وتُغْرِيَه بمحاربة الدِّين وأهله.

فإن قلت: قد أطلتَ في شأن الكسوف وأسبابه، وجئتَ بما شفيتَ به من البيان الذي لم يشهد له الشرعُ بالصحة ولم يشهد له بالبطلان، بل جاء الشرعُ بما هو أهمُّ منه وأجلُّ فائدةً من الأمر عند الكسوفَين بما يكونُ سببًا لصلاح الأمة في معاشها ومعادها.

وأمَّا أسبابُ الكسوف وحسابُه والنظرُ في ذلك، فإنه من العلم الذي لا يضرُّ الجهلُ به٢، ولا ينفعُ نفعَ العلم بما جاءت به الرسل، وإن كان لا يخلو عن منفعةٍ ولذَّة.

وهذا هو الفرقُ بين العلوم التي جاءت بها الرسل٣، وبين علوم هؤلاء.

فكيف تصنعُ بالحديث الصحيح عن النبيِّ ﷺ: «إنَّ الشمسَ والقمرَ

  1. (١) انظر: «روضة العقلاء» (٢١، ٩٥، ١٢١)، و«المستقصى» (٢/ ٣٤٦).
  2. (٢) انظر: «القول في علم النجوم» للخطيب (١٦٨).
  3. (٣) من قوله: «وإن كان لا يخلو» إلى هنا ساقط من (ق).
1419

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي