وضررُ الدِّين وما جاءت به الرسل بهؤلاء مِن أعظم الضرر، وهو كضرره بأولئك الملاحدة، فهما ضرران عظيمان على الدِّين: ضررُ من يطعنُ فيه، وضررُ من ينصرُه بغير طريقه.
وقد قيل: إنَّ العدوَّ العاقلَ أقلُّ ضررًا من الصديق الجاهل١، فإنَّ الصَّديقَ الجاهلَ يضرُّك من حيثُ يقدِّر أنه ينفعك، والشأنُ كلُّ الشأن أن تجعلَ العاقل صديقَك، ولا تجعلَه عدوَّك، وتُغْرِيَه بمحاربة الدِّين وأهله.
فإن قلت: قد أطلتَ في شأن الكسوف وأسبابه، وجئتَ بما شفيتَ به من البيان الذي لم يشهد له الشرعُ بالصحة ولم يشهد له بالبطلان، بل جاء الشرعُ بما هو أهمُّ منه وأجلُّ فائدةً من الأمر عند الكسوفَين بما يكونُ سببًا لصلاح الأمة في معاشها ومعادها.
وأمَّا أسبابُ الكسوف وحسابُه والنظرُ في ذلك، فإنه من العلم الذي لا يضرُّ الجهلُ به٢، ولا ينفعُ نفعَ العلم بما جاءت به الرسل، وإن كان لا يخلو عن منفعةٍ ولذَّة.
وهذا هو الفرقُ بين العلوم التي جاءت بها الرسل٣، وبين علوم هؤلاء.
فكيف تصنعُ بالحديث الصحيح عن النبيِّ ﷺ: «إنَّ الشمسَ والقمرَ
(٣) من قوله: «وإن كان لا يخلو» إلى هنا ساقط من (ق).
آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة»١، فكيف يلائمُ هذا ما قاله هؤلاء في الكسوف؟
قيل: وأيُّ مناقضةٍ بينهما؟ وليس فيه إلا نفيُ تأثير الكسوف في الموت والحياة على أحد القولين، أو نفيُ تأثُّر النيِّرَين بموت أحدٍ أو حياته على القول الآخر، وليس فيه تعرُّضٌ لإبطال حساب الكسوف، ولا الإخبارُ بأنه من الغيب الذي لا يعلمُه إلا الله٢.
وأمرُ النبيِّ ﷺ عنده بما أمر به من العِتاقة والصلاة والدُّعاء والصدقة، كأمره بالصلوات عند الفجر والغروب والزَّوال، مع تضمُّن ذلك دفعَ مُوجَب الكسوف الذي جعله الله سبحانه سببًا له.
فشرعَ النبيُّ ﷺ للأمة عند انعقاد هذا السَّبب ما هو أنفعُ لهم وأجدى عليهم في دنياهم وأخراهم من اشتغالهم بعلم الهيئة وشأنِ الكسوف وأسبابه.
فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي رواه ابنُ ماجه في «سننه» والإمام أحمد والنسائي من حديث النعمان بن بشير قال: انكسفَت الشمسُ على عهد النبيِّ ﷺ، فخرجَ فَزِعًا يجرُّ ثوبه، حتى أتى المسجد، فلم يزل يصلِّي حتى انجلت، ثمَّ قال: «إنَّ ناسًا يزعمون أنَّ الشمسَ والقمرَ لا ينكسفان
إلا لموت عظيمٍ من العظماء، وليس كذلك، إنَّ الشمسَ والقمرَ لا ينكسفان