مفتاح دار السعادة

آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة»١، فكيف يلائمُ هذا ما قاله هؤلاء في الكسوف؟

قيل: وأيُّ مناقضةٍ بينهما؟ وليس فيه إلا نفيُ تأثير الكسوف في الموت والحياة على أحد القولين، أو نفيُ تأثُّر النيِّرَين بموت أحدٍ أو حياته على القول الآخر، وليس فيه تعرُّضٌ لإبطال حساب الكسوف، ولا الإخبارُ بأنه من الغيب الذي لا يعلمُه إلا الله٢.

وأمرُ النبيِّ ﷺ عنده بما أمر به من العِتاقة والصلاة والدُّعاء والصدقة، كأمره بالصلوات عند الفجر والغروب والزَّوال، مع تضمُّن ذلك دفعَ مُوجَب الكسوف الذي جعله الله سبحانه سببًا له.

فشرعَ النبيُّ ﷺ للأمة عند انعقاد هذا السَّبب ما هو أنفعُ لهم وأجدى عليهم في دنياهم وأخراهم من اشتغالهم بعلم الهيئة وشأنِ الكسوف وأسبابه.

فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي رواه ابنُ ماجه في «سننه» والإمام أحمد والنسائي من حديث النعمان بن بشير قال: انكسفَت الشمسُ على عهد النبيِّ ﷺ، فخرجَ فَزِعًا يجرُّ ثوبه، حتى أتى المسجد، فلم يزل يصلِّي حتى انجلت، ثمَّ قال: «إنَّ ناسًا يزعمون أنَّ الشمسَ والقمرَ لا ينكسفان

إلا لموت عظيمٍ من العظماء، وليس كذلك، إنَّ الشمسَ والقمرَ لا ينكسفان

  1. (١) تقدم تخريجه (ص: ١٣٥٢).
  2. (٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٧٥).
1420

لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا تجلَّى اللهُ لشيءٍ من خلقه خشَع له»١.

قيل: قد قال أبو حامد الغزالي: هذه الزيادة لم يصحَّ نقلُها، فيجبُ تكذيبُ قائلها٢، وإنما المرويُّ ما ذكرنا ــ يعني: الحديثَ الذي ليست هذه الزيادة فيه ــ.

قال: ولو كان صحيحًا لكان تأويلُه أهونَ من مكابرة أمورٍ قطعية، فكم من ظواهرَ أُوِّلَت بالأدلَّة العقليَّة التي لا تتبيَّنُ في الوضوح إلى هذا الحدِّ، وأعظمُ ما تفرحُ٣ به المُلحِدةُ أن يصرِّح ناصرُ الشرع بأنَّ هذا وأمثاله٤ على خلاف

  1. (١) أخرجه أحمد (٤/ ٢٦٧، ٢٦٩)، والنسائي (١٤٨٤)، وابن ماجه (١٢٦٢)، والبيهقي (٣/ ٣٣٢)، وابن خزيمة في «الصحيح» (١٤٠٣)، و«التوحيد» (٥٩٨)، وغيرهم من طريق أبي قلابة عن النعمان بن بشير.
    وأعله البيهقي وابن خزيمة بالانقطاع بين أبي قلابة والنعمان؛ فإنه لم يسمع منه. وإلى ذلك ذهب ابن معين ومال أبو حاتم. انظر: «تاريخ يحيى بن معين» رواية الدوري (٢/ ٣٠٩)، و«المراسيل» لابن أبي حاتم (١١٠).
    ورواه البيهقي (٣/ ٣٣٤) من طريق الحسن عن النعمان بن بشير، دون لفظ التجلي، وقال: هذا أشبه أن يكون محفوظًا.
    إلا أن الحسن لم يسمع كذلك من النعمان، كما قال ابن المديني، ومال إليه البزار. انظر: «جامع التحصيل» (١٦٣)، و«نصب الراية» (١/ ٩٠).
    وقد اختلف على أبي قلابة في هذا الحديث على أوجه، فروي تارة عنه عن النعمان، وتارة عن رجل عن النعمان، وتارة عن قبيصة الهلالي، وتارة عن هلال بن عامر عن قبيصة. انظر: جزء الشيخ الألباني في صلاة الكسوف (٧٩).
  2. (٢) «تهافت الفلاسفة»: «ناقلها».
  3. (٣) (ق، د): «فانفرج». وهو تحريف.
  4. (٤) يعني القضايا المعلومة لهم بالضرورة، كسبب الكسوف، ونحوه مما سبق.
1421

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي