مفتاح دار السعادة

المستقيم١ والفطرةُ السليمة، وهو أنَّ كسوفَ الشمس والقمر يوجِبُ لهما٢ من الخشوع والخضوع بانمحاء نُورهما وانقطاعه عن هذا العالَم ما يكونُ فيه [ذهابُ]٣ سلطانهما وبهائهما، وذلك يوجبُ لا محالةَ لهما من الخشوع والخضوع لربِّ العالمين وعظمته وجلاله ما يكونُ سببًا لتجلِّي الربِّ ﵎ لهما.

ولا يُستنكَر٤ أن يكون تجلِّي الله سبحانه لهما في وقتٍ معيَّن، كما يدنو من أهل الموقف عشيَّة عرفة، وكما ينزلُ كلَّ ليلةٍ إلى سماء الدنيا عند مضيِّ نصف الليل، فيُحدِثُ لهما ذلك التجلِّي خشوعًا آخرَ ليس هو الكسوف.

ولم يقل النبيُّ ﷺ: إنَّ الله إذا تجلَّى لهما انكسفا. ولكنَّ اللفظة: «فإذا تجلَّى اللهُ لشيءٍ من خلقه خَشَعَ له»، ولفظُ الإمام أحمد في الحديث: «إذا بدا اللهُ لشيءٍ من خلقه خَشَعَ له»٥.

  1. (١) (ط) و«زهر الربى»: «العقل السليم».
  2. (٢) في الأصول: «وجب لهما». والمثبت من «زهر الربى».
  3. (٣) ليست في الأصول، واستدركتها من «زهر الربى». وجعلها الآلوسي في «روح المعاني» (١٣/ ١١٢): «ضعف».
  4. (٤) (ت): «يستكثر». وفي «زهر الربى»: «يستلزم».
  5. (٥) كذا في الأصول. وفي «زهر الربى»: «ولكن اللفظة عند أحمد والنسائي: إن الله تعالى إذا بدا لشيءٍ من خلقه خشع له. ولفظ ابن ماجه: فإذا تجلى الله تعالى لشيءٍ من خلقه خشع له».
    والذي في مطبوعتي «المسند» و«سنن ابن ماجه»: «تجلى». وفي مطبوعة «سنن النسائي» في حديث النعمان: «بدا»، وفي حديث قبيصة: «تجلى».
1424

فهاهنا خشوعان:

* خشوعٌ أوجبه كسوفُهما بذهاب ضوئهما وانمحائه.

* فتجلَّى الله سبحانه لهما، فحدَث لهما عند تجلِّيه تعالى خشوعٌ آخرُ بسبب التجلِّي، كما حدَث للجبل إذ تجلَّى ﵎ له أن صار دكًّا١، وساخَ في الأرض. وهذا غايةُ الخشوع.

لكنَّ الربَّ ﵎ ثبَّتهما لتجلِّيه؛ عنايةً بخلقه، لانتظام مصالحهم بهما، ولو شاء سبحانه لثبَّت الجبلَ لتجلِّيه كما ثبَّتهما، ولكن أرى كليمَه موسى أنَّ الجبلَ العظيمَ لم يُطِق الثباتَ [لتجلِّيه]٢ له، فكيف تُطِيقُ أنت الثبات للرؤية التي سألتَها٣؟!

فصل

* وأمَّا استدلالُه بحديث ابن مسعود عن النبيِّ ﷺ: «إذا ذُكِرَ القدرُ فأمسِكوا، وإذا ذُكِرَ أصحابي فأمسِكوا، وإذا ذُكِرَ النجومُ فأمسِكوا»٤؛ فهذا الحديثُ لو ثبتَ لكان حجةً عليه لا له، إذ لو كان علمُ الأحكام النجومية حقًّا لا باطلًا، لم يَنْهَ عنه النبيُّ ﷺ، ولا أمرَ بالإمساك عنه؛ فإنه لا ينهى عن الكلام في الحقِّ، بل هذا يدلُّ على أنَّ الخائض فيه خائضٌ فيما لا علم له به، وأنه لا

  1. (١) «زهر الربى»: «كما حدث للجبل إذا تجلى له تعالى خشوع أن صار دكا».
  2. (٢) من «زهر الربى».
  3. (٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٧٧)، وحاشية السندي على «سنن النسائي» (٣/ ١٤٤).
  4. (٤) تقدم تخريجه (ص: ١٣٥٣).
1425

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي