* فتجلَّى الله سبحانه لهما، فحدَث لهما عند تجلِّيه تعالى خشوعٌ آخرُ بسبب التجلِّي، كما حدَث للجبل إذ تجلَّى ﵎ له أن صار دكًّا١، وساخَ في الأرض. وهذا غايةُ الخشوع.
لكنَّ الربَّ ﵎ ثبَّتهما لتجلِّيه؛ عنايةً بخلقه، لانتظام مصالحهم بهما، ولو شاء سبحانه لثبَّت الجبلَ لتجلِّيه كما ثبَّتهما، ولكن أرى كليمَه موسى أنَّ الجبلَ العظيمَ لم يُطِق الثباتَ [لتجلِّيه]٢ له، فكيف تُطِيقُ أنت الثبات للرؤية التي سألتَها٣؟!
فصل
* وأمَّا استدلالُه بحديث ابن مسعود عن النبيِّ ﷺ: «إذا ذُكِرَ القدرُ فأمسِكوا، وإذا ذُكِرَ أصحابي فأمسِكوا، وإذا ذُكِرَ النجومُ فأمسِكوا»٤؛ فهذا الحديثُ لو ثبتَ لكان حجةً عليه لا له، إذ لو كان علمُ الأحكام النجومية حقًّا لا باطلًا، لم يَنْهَ عنه النبيُّ ﷺ، ولا أمرَ بالإمساك عنه؛ فإنه لا ينهى عن الكلام في الحقِّ، بل هذا يدلُّ على أنَّ الخائض فيه خائضٌ فيما لا علم له به، وأنه لا
(١) «زهر الربى»: «كما حدث للجبل إذا تجلى له تعالى خشوع أن صار دكا».
ينبغي١ له أن يخوض فيه ويقول على الله مالا يعلم، فأين في هذا الحديث ما يدلُّ على صحة علم أحكام النجوم؟!
* وأمَّا حديثُ النهي عن السَّفر والقمرُ في العقرب٢، فصحيحٌ من كلام المنجِّمين، وأمَّا رسولُ ربِّ العالمين فمَن نسَب إليه هذا الحديثَ وأمثالَه فإنه من أبعد الناس عن رسول الله ﷺ وعما جاء به علمًا وعملًا، بل ليس عنده من الرسول إلا اسمُه، وهل يسوغُ لمنتسبٍ إلى الإسلام أن يظُنَّ برسول الله ﷺ أن يقول هذا الحديثَ وأمثاله؟!٣
ولكن إذا بَعُدَ الإنسانُ عن نور النبوَّة، واشتدَّت غربتُه عمَّا جاء به الرسول، جوَّز عقلُه مثلَ هذا، كما يجوِّزُ عقلُ المشرك أن يقول النبيُّ ﷺ: «لو حَسَّنَ أحدُكم ظنَّه بحجرٍ نفعَه»٤، وهذا ونحوُه من كلام عُبَّاد الأصنام الذين حسَّنوا ظنَّهم بالأحجار، فساقهم حُسْنُ ظنِّهم إلى دار البوار.
* وأمَّا الروايةُ عن عليٍّ ﵁ أنه نهى عن السَّفر والقمرُ في العقرب، فمِن الكذب على عليٍّ ﵁٥، والمشهورُ عنه خلافُ
(١) (ت): «لأنه ينبغي».
(٢) تقدم تخريجه (ص: ١٣٥٣).
(٣) من قوله: «فإنه من أبعد النَّاس» إلى هنا ساقط من (ق) لانتقال النظر.
(٤) باطلٌ لا أصل له. انظر: «مجموع الفتاوى» (١١/ ٥١٣، ١٩/ ١٤٦، ٢٤/ ٣٣٥)، و«منهاج السنَّة» (١/ ٤٨٣)، و«إغاثة اللهفان» (١/ ٢١٥)، و«المنار المنيف» (١٠٦)، و«المقاصد الحسنة» (٤٠٢).