وهذا أبو صالحٍ قد نقَل عن ابن عباس في قوله: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾، قال: "هو كما يقال: هَبَط فلانٌ في أرض كذا وكذا"١.
وهذا وهبُ بن منبه يذكرُ أنَّ آدم خُلِقَ في الأرض، وفيها سَكَن، وفيها نُصِبَ له الفردوس، وأنه كان بِعَدَن، وأن سَيْحُون وجَيْحُون والفرات انقسمت من النهر الذي كان في وسط الجنة، وهو الذي كان يسقيها٢.
وهذا منذرُ بن سعيد البلُّوطي، اختاره في "تفسيره"، ونصَره بما حكيناه عنه، وحكاه في غير التفسير٣ عن أبي حنيفة ﵁ ومن قال بقوله، والذين ردُّوا عليه مقالتَه لم يُنكِروا نسبتَه إلى أبي حنيفة، وإنما ناقضوه بكونه خالف أبا حنيفة فيما خالفه فيه، فَلِمَ قال بقوله في هذه المسألة؟!
وهذا أبو مسلمٍ الأصبهانيُّ صاحبُ "التفسير" وغيره، أحدُ الفضلاء المشهورين، قال بهذا وانتصر له واحتجَّ عليه بما هو معروفٌ في كتابه.
وهذا أبو محمَّد عبد الحقِّ بن عطية ذكر القولين في "تفسيره"٤ في قصَّة آدم في البقرة.
(١) "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة (٤٦).
(٢) لم أقف عليه. ونقلُ وهبٍ عن كتب بني إسرائيل معلوم. وانظر ما تقدم قبل قليل في التعليق على كلام ابن قتيبة.
(٣) ذكر ابنُ كثير في "البداية" (١/ ١٧٦) أن له مصنفًا مفردًا في هذه المسألة.
(٤) (١/ ٢٤٩ - ٢٥٠).
وهذا أبو محمَّد ابن حزم ذكر القولين في كتاب "الملل والنِّحل" له١، فقال: "وكان المنذر بن سعيد القاضي يذهبُ إلى أنَّ الجنةَ والنار مخلوقتان٢، إلا أنه كان يقول: إنها ليست هي التي كان فيها آدمُ وامرأتُه".
وممن حكى القولين أيضًا: أبو عيسى الرُّمَّاني٣
في "تفسيره"، واختار أنها جنة الخلد.
ثمَّ قال: "والمذهبُ الذي اخترناه: قولُ الحسن، وعمرو، وواصل٤، وأكثر أصحابنا، وهو قولُ أبي عليٍّ، وشيخنا أبي بكر، وعليه أهلُ التفسير".
(١) (٤/ ١٤٢ - ١٤٣). وقد أورد حجج المنذر بن سعيد وناقشها، وختم البحث بقوله: "فصحَّ أنها لم تكن في الأرض البتة". [وكذلك في كتاب "الأصول والفروع" (١١١ - ١١٢).]
(٢) كذا نقل عنه ابن حزم. وحكى عنه ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٣/ ٣٢٥) أنه يقول بأن الجنة لم تخلق بعد، وكذلك النار. وابنُ حزمٍ أبصرُ به وأعرف، وفي نقله عنه دلائلُ الضبط، وأخشى أن يكون ابن عطية بنى إحدى المسألتين على الأخرى، وليس بينهما تلازم، كما سيبينه المصنف فيما يأتي (ص: ٦٨).
(٣) كذا وقعت كنيته في الأصول، و"حادي الأرواح" (١٩)، وعنهما في "البداية والنهاية" (١/ ١٧٦). وهو أبو الحسن الرماني علي بن عيسى (ت: ٣٨٤) النحوي المعتزلي. ترجمته في "إنباه الرواة" (٢/ ٢٩٤)، و"السير" (١٦/ ٥٣٣). وقد عُثِر على أجزاء من تفسيره، ولم تطبع بعد. وشيخه أبو بكر هو ابن الإخشيد، وأبو علي هو الجبائي، وهو كثير النقل عنهما.
(٤) في الأصول: "وعمرو بن واصل"، تحريف. عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء. وانظر: "التبيان" للطوسي (١/ ١٥٦).