مفتاح دار السعادة

والتجربةُ والواقع من أكبر شاهدٍ على تكذيبهم في هذا الحكم، فكم ممَّن سافر وتزوَّج وابتدأ واختار والقمرُ في العقرب، وتمَّ له مرادُه على أكمل ما كان يؤمِّله، ولا يزالُ الناسُ يُنْشِؤون الأسفارَ والابتداآت والاختيارات في كلِّ وقتٍ والقمرُ في العقرب وغيره، ويَحْمَدُون عواقبَ أسفارهم، كما أنشأ أميرُ المؤمنين عليٌّ ﵁ سفرَ جهاده للخوارج والقمرُ في العقرب، وأنشأ المعتصمُ سفرَ فتح عمورية وجهاد أعداء الله والقمرُ في العقرب، وقد أجمعَ الكذَّابون أنه إن خرجَ كُسِرَ عسكرُه وقُتِلَ أو أُسِرَ، فبيَّن الله للمسلمين كذبَهم بذلك الفتح الجليل، ولو استقصينا أمثالَ هذه الوقائع لطال الأمرُ جدًّا.

ومن أراد أن يعلمَ كذبَهم قطعًا فليبتداء سفرًا أو اختيارًا أو بناءً أو غيره والقمرُ في العقرب، وليتوكَّل على الله وليسافر، فإنه يرى ما يغبطُه ويسرُّه.

ومِنْ أبين الكذب والبَهْت الكذبُ على الحسِّ والواقع١، وهذا الذي كرهوه وحذَّروا منه لو كان الواقع شاهدًا به لكان الناسُ لا يختارون ولا يسافرون ولا يبتدئون شيئًا البتة والقمرُ في العقرب، وكان علمُهم بهذا وتجربتُهم له معلومًا بالضرورة، فكيف والأمرُ بالعكس؟!

وأيضًا، فيقال لهم: قد يكونُ القمرُ في العقرب ويجامعُه السُّعود، وهما المشتري والزُّهَرة مثلًا، ويكون ربُّ بيت السَّفر وبيتُ الطالع وبيتُ السَّفر أيضًا سُعودات.

فهلَّا قلتم: إنَّ السَّفر حينئذٍ يكونُ صالحًا؛ لاجتماع هذه السُّعودات في

  1. (١) (ت): «والوقائع».
1430

البرج المنقلب، واجتماعُها يُكسِبُها قوَّةً؟!

بل قال فضلاؤكم: لا يكونُ١ القمرُ في العقرب مسعودًا وإن جامعَ السُّعود.

بل قالوا: إنَّ السُّعودَ أيضًا تنتحسُ فيه، فإذا حلَّ السُّعودُ العقربَ انتحست فيه. ولذلك قلتم: إنَّ الشمسَ إذا حلَّت فيه انتحَسَت أيضًا وضَعُفَت جدًّا٢، وإن كان معه السَّعدان، أعني المشتري والزُّهَرة.

فلو قُلِبَ عليكم هذا الاستدلال، وقيل: إذا حلَّت السُّعودُ في هذا البرج قَوِيَ فعلُها وتضافر بعضُها مع بعض، فقويَ السَّعدُ باجتماعها، ولم يَقْوَ البرجُ على إنحاسها، وقوةُ زُحَل والمرِّيخ النَّحسَيْن على هذا البرج٣ لا تستلزمُ إنحاسَ هذه السُّعود، بل لو قال القائل: إنَّ سعادتَها تؤثِّرُ في نحسِها= كان مِن جنس قولكم.

ومِن هنا قال أبو نصر الفارابيِّ: واعلم أنك لو قلبتَ أوضاعَ المنجِّمين فجعلتَ السَّعدَ نحسًا، والنحسَ سعدًا، والحارَّ باردًا، وعكسَه، ثم حكمتَ، لكانت أحكامُك من جنس أحكامهم، تصيبُ وتخطاء٤.

فصل

* وأمَّا ما احتجَّ به من الأثر عن عليٍّ ﵁ أنَّ رجلًا أتاه، فقال:

  1. (١) (د): «ولم لا يكون». وهو خطأ.
  2. (٢) (ق، د): «إذا حلت فيه ضعفت أيضًا جدا».
  3. (٣) (ت): «النحس على البروج».
  4. (٤) تقدم (ص: ١١٩٥).
1431

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي