بل قال فضلاؤكم: لا يكونُ١ القمرُ في العقرب مسعودًا وإن جامعَ السُّعود.
بل قالوا: إنَّ السُّعودَ أيضًا تنتحسُ فيه، فإذا حلَّ السُّعودُ العقربَ انتحست فيه. ولذلك قلتم: إنَّ الشمسَ إذا حلَّت فيه انتحَسَت أيضًا وضَعُفَت جدًّا٢، وإن كان معه السَّعدان، أعني المشتري والزُّهَرة.
فلو قُلِبَ عليكم هذا الاستدلال، وقيل: إذا حلَّت السُّعودُ في هذا البرج قَوِيَ فعلُها وتضافر بعضُها مع بعض، فقويَ السَّعدُ باجتماعها، ولم يَقْوَ البرجُ على إنحاسها، وقوةُ زُحَل والمرِّيخ النَّحسَيْن على هذا البرج٣ لا تستلزمُ إنحاسَ هذه السُّعود، بل لو قال القائل: إنَّ سعادتَها تؤثِّرُ في نحسِها= كان مِن جنس قولكم.
ومِن هنا قال أبو نصر الفارابيِّ: واعلم أنك لو قلبتَ أوضاعَ المنجِّمين فجعلتَ السَّعدَ نحسًا، والنحسَ سعدًا، والحارَّ باردًا، وعكسَه، ثم حكمتَ، لكانت أحكامُك من جنس أحكامهم، تصيبُ وتخطاء٤.
فصل
* وأمَّا ما احتجَّ به من الأثر عن عليٍّ ﵁ أنَّ رجلًا أتاه، فقال:
(١) (د): «ولم لا يكون». وهو خطأ.
(٢) (ق، د): «إذا حلت فيه ضعفت أيضًا جدا».
(٣) (ت): «النحس على البروج».
(٤) تقدم (ص: ١١٩٥).
إني أريدُ السَّفر، وكان ذلك في مَحَاق الشَّهر، فقال: أتريدُ أن يمحَق اللهُ تجارتَك؟! استقبِل هلالَ الشَّهر بالخروج١ = فهذا لا يُعْلَمُ ثبوتُه عن علي، والكذَّابون كثيرًا ما يُنَفِّقُون سِلَعَهم الباطلة بنسبتها إلى عليٍّ وأهل بيته، كأصحاب القُرْعَة والجَفْرِ والبطاقة والهَفْتِ والكيمياء والمَلاحِم وغيرها٢، فلا يدري ما كُذِبَ على أهل البيت إلا الله سبحانه.
ثمَّ لو صحَّ هذا عن عليٍّ ﵁ لم يكن فيه تعريضٌ لثبوت أحكام النجوم بوجه.
ولا ريب أنَّ استقبالَ الأسفار والأفعال في أوائل النهار والشَّهر والعام لها مَزِيَّة، والنبيُّ ﷺ قد قال: «اللهمَّ بارك لأمَّتي في بُكورها»٣، وكان صخر
(٣) أخرجه الترمذي (١٢١٢)، وأبو داود (٢٦٠٦)، وابن ماجه (٢٢٣٦)، وغيرهم من حديث يعلى بن عطاء عن عمارة بن حديد عن صخر الغامدي. حسَّنه الترمذي، وعبد الحق في «الأحكام الوسطى» (٣/ ٢٨)، وصححه ابن حبان (٤٧٥٤)، وجوَّده العقيلي في «الضعفاء» (١/ ٢٣٦، ١٢٤، ٢/ ٢٠، ٣٢٢، ٣/ ١٩٢، ٢٤٤، ٣١٩، ٤/ ١٠، ١٧٧). وأعله أبو حاتم في «العلل» (٢/ ٢٦٨)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ٣٢٦)، وابن عبد البر في «الاستيعاب» (٧١٦)، والذهبي في «الميزان» (٣/ ١٧٥)، وابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (٣/ ٤٨٦) بأنَّ صخرًا لا يُعْرَفُ إلا في هذا الحديث الواحد، ولا قيل إنه صحابيٌّ إلا به، ولا نقَل ذلك إلا عمارة، وعمارة مجهول. وروي من أوجه كثيرة غير هذا، لا يثبت منها شيء. وقال أبو حاتم: لا أعلم فيه حديثًا صحيحًا. وقد اعتنى به ابن عدي، فأورده في «الكامل (١/ ٢٦٩، ٣٦٣، ٣٦٤، ٢/ ٢٢٠، ٣٢٩، ٣/ ٦٤، ٣٢٤، ٤/ ٩٢، ٢٥٥، ٣٠٥، ٥/ ٥، ٦٠، ٦١، ٧٥، ١٨٩، ٦/ ١٦٥، ١٨٨، ٢٨٤، ٧/ ٢٩، ١٠٦، ١٣٧، ١٤٥، ٢٤١، ٢٨٠) من طرقٍ كثيرةٍ مبينًا عللها، وكذا ابن الجوزي في «العلل المتناهية». وصنَّف فيه المنذري جزءًا مال فيه إلى ثبوته من بعض طرقه.