مفتاح دار السعادة

بما يحصِّلُه له المَلَقُ١ من العفو والإحسان.

وهذا في الحيوان البهيم أكثرُ من أن نذكره، فله من تَقْدِمة المعرفة ما يليقُ به، وللخيل والحمَام من ذلك عجائب، وكذلك الثَّعلب وغيره.

فعُلِمَ أنَّ هذا أمرٌ عامٌّ للإنسان والحيوان، أُعطِيَ من تَقْدِمة المعرفة بحسبه، وأسبابُ هذه التَّقْدِمة تختلف.

والأممُ الذين لم يتقيَّدوا بالشرائع لهم اعتبارٌ عظيمٌ بهذا، وكذلك من قلَّ التفاتُه واعتناؤه بما جاءت به الرسل فإنه يشتدُّ التفاتُه ويكثرُ نظرُه واعتناؤه بذلك.

وأمَّا أتباعُ الرسل، فقد أغناهم الله بما جاءت به الرسلُ من العلوم النَّافعة والأعمال الصالحة عن هذا كلِّه، فلا يعتنون به ولا يجعلونه من مطالبهم المهمَّة؛ لأنَّ ما يطلبونه أعلى وأجلُّ من هذا، ومع هذا فلهم منه أوفرُ نصيبٍ بحسب متابعتهم الرسل، من الفراسة الصادقة، والمنامات الصحيحة، والكُشوفات المطابِقة، وغيرها، وهِمَمُهم لا تقفُ عند شيءٍ من ذلك، بل هي طامحةٌ نحو كشف ما جاء به الرسولُ من الهدى ودين الحقِّ في كلِّ مسألة، وهذا أعظمُ الكُشوفِ وأجلُّه وأنفعُه في الدَّارين، مع كشف عيوب النفس وآفات الأعمال.

وأمَّا الكشفُ الجزئيُّ٢ عمَّا أكلَ فلانٌ، وعمَّا أحدثه في داره، وعمَّا يجري له في غدِه، ونحو ذلك؛ فهذا مما لا يعبأ به من علَت هِمَّتُه، ولا

  1. (١) (ت، ص): «بما يحصل له من الملق».
  2. (٢) (د): «الجزوي». بتسهيل الهمز.
1437

يتلفتُ إليه ولا يَعُدُّه شيئًا، على أنه مشتركٌ١ بين المؤمن والكافر، فلِعُبَّاد الأصنام والمجوس والصابئة والفلاسفة والنصارى من ذلك شيءٌ كثير، وذلك لا ينفعُهم عند الله ولا يخلِّصُهم من عذابه.

وهؤلاء الكُهَّانُ وعبيدُ الجنِّ والسَّحرةُ لهم من ذلك أمورٌ معروفة، وهم أكفرُ الخلق٢، فغايةُ هذا المنجِّم اليهوديِّ الذي أخبَر ابنَ عباسٍ بما أخبره أن يكونَ واحدًا من هؤلاء، فكان ماذا؟!

وهل يقفُ عند هذا إلا الهِمَمُ الدنيئة السُّفلية التي لا نهضةَ لها إلى الله والدار الآخرة، لِمَا يُرى٣ لها بذلك من التمييز عن الهَمَج الرَّعاع من بني آدم؟!

فصل

* وأمَّا احتجاجُه بحديث أبي الدرداء: «لقد توفِّي رسولُ الله ﷺ وتركنا وما طائرٌ يقلِّبُ جناحيه إلا وقد ذكَّرنا منه علمًا»٤؛ فهذا حقٌّ وصدق، وهو من أعظم الأدلَّة على إبطال قولكم وتكذيبكم فيما تدَّعونه من علم أحكام النجوم، فإنه ﷺ ذكَّرهم علمَ كلِّ شيءٍ حتى الخِراءة، وذكَّرهم من علم كلِّ طائرٍ٥ وكلِّ حيوان، وكلِّ ما في هذا العالم، ولم يذكِّرهم من علم أحكام النجوم شيئًا البتَّة،

  1. (١) (ت، ق، ص): «يشترك».
  2. (٢) (ص): «من أكفر الخلق».
  3. (٣) الضبط من (ص). وفي (ت، ق): «يري».
  4. (٤) تقدم تخريجه (ص: ١٣٥٥).
  5. (٥) (ت، ص): «وذكرهم من كلِّ طائر».
1438

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي