مفتاح دار السعادة

وهذا أبو محمَّد ابن حزم ذكر القولين في كتاب "الملل والنِّحل" له١، فقال: "وكان المنذر بن سعيد القاضي يذهبُ إلى أنَّ الجنةَ والنار مخلوقتان٢، إلا أنه كان يقول: إنها ليست هي التي كان فيها آدمُ وامرأتُه".

وممن حكى القولين أيضًا: أبو عيسى الرُّمَّاني٣

في "تفسيره"، واختار أنها جنة الخلد.

ثمَّ قال: "والمذهبُ الذي اخترناه: قولُ الحسن، وعمرو، وواصل٤، وأكثر أصحابنا، وهو قولُ أبي عليٍّ، وشيخنا أبي بكر، وعليه أهلُ التفسير".

  1. (١) (٤/ ١٤٢ - ١٤٣). وقد أورد حجج المنذر بن سعيد وناقشها، وختم البحث بقوله: "فصحَّ أنها لم تكن في الأرض البتة". [وكذلك في كتاب "الأصول والفروع" (١١١ - ١١٢).]
  2. (٢) كذا نقل عنه ابن حزم. وحكى عنه ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٣/ ٣٢٥) أنه يقول بأن الجنة لم تخلق بعد، وكذلك النار. وابنُ حزمٍ أبصرُ به وأعرف، وفي نقله عنه دلائلُ الضبط، وأخشى أن يكون ابن عطية بنى إحدى المسألتين على الأخرى، وليس بينهما تلازم، كما سيبينه المصنف فيما يأتي (ص: ٦٨).
  3. (٣) كذا وقعت كنيته في الأصول، و"حادي الأرواح" (١٩)، وعنهما في "البداية والنهاية" (١/ ١٧٦).
    وهو أبو الحسن الرماني علي بن عيسى (ت: ٣٨٤) النحوي المعتزلي. ترجمته في "إنباه الرواة" (٢/ ٢٩٤)، و"السير" (١٦/ ٥٣٣).
    وقد عُثِر على أجزاء من تفسيره، ولم تطبع بعد. وشيخه أبو بكر هو ابن الإخشيد، وأبو علي هو الجبائي، وهو كثير النقل عنهما.
  4. (٤) في الأصول: "وعمرو بن واصل"، تحريف. عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء. وانظر: "التبيان" للطوسي (١/ ١٥٦).
53

وممن ذكر القولين: أبو القاسم الراغب١ في "تفسيره"٢، فقال: "واختلف في الجنة التي أُسْكِنَها آدم، فقال بعض المتكلِّمين: كان بستانًا جعله الله تعالى له امتحانًا، ولم يكن جنة المأوى".

ثمَّ قال: "ومن قال: لم تكن جنة الخلد٣؛ لأنه لا تكليفَ في الجنة، وآدمُ كان مكلَّفًا".

قال: "وقد قيل في جوابه: إنما٤ لا تكونُ دارَ تكليف٥ في الآخرة، ولا يمتنعُ أن تكون في وقتٍ دارَ تكليفٍ دون وقت، كما أنَّ الإنسانَ يكونُ في وقتٍ مكلَّفًا دون وقت".

وممن ذكر الخلافَ في المسألة: أبو عبد الله ابن الخطيب الرازي في "تفسيره"٦، فذكر هذين القولين، وقولًا ثالثًا ــ وهو التوقُّف ــ، قال: "لإمكان الجميع وعدم الوصول إلى القطع"، كما سيأتي حكايةُ كلامه.

ومن المفسرين من لم يذكر غير هذا القول، وهو أنها لم تكن جنة الخلد، إنما كانت حيثُ شاء الله من الأرض.

قالوا: وكانت تطلعُ فيها الشمسُ والقمر، وكان إبليسُ فيها ثمَّ أُخرِج.

  1. (١) الأصبهاني، المتكلِّم (ت: ٤٢٥ تقريبًا). انظر: "السير" (١٨/ ١٢٠).
  2. (٢) (ق ٤٠/أ).
  3. (٣) (ت، ق): "المأوى".
  4. (٤) (ق، ح): "إنها".
  5. (٥) (ن، د، ق، ح): "التكليف".
  6. (٦) (٣/ ٣ - ٤).
54

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي