مفتاح دار السعادة

أخبرني أحمد بن محمد ابن بنت الشافعي، قال: سمعتُ أبي يقول: كان الشافعيُّ وهو حَدَثٌ ينظرُ في النجوم، وما نظر في شيءٍ إلا فاقَ فيه، فجلس يومًا وامرأةٌ تَلِد، فحسَبَ، فقال: تلدُ جاريةً عوراءَ على فرجها خالٌ أسود، وتموتُ إلى كذا وكذا، فولدت، فكان كما قال، فجعل على نفسه ألا ينظُر فيه أبدًا١.

وأمرُ هذه الحكاية كالتي قبلها، فإنَّ ابن بنت الشافعيِّ لم يلقَ الشافعيَّ ولا رآه، والشأنُ فيمن حدَّثه بهذا عنه٢.

والذي عندي في هذا أنَّ الناقل إن أُحسِنَ به الظَّنُّ فإنه غَلِط على الشافعي، والشافعيُّ كان مِن أفرَس الناس، وكان قد قرأ كتبَ الفراسة، وكانت له فيها اليدُ الطُّولى، فحكمَ في هذه القضية وأمثالها بالفراسة، فأصابَ الحكم، فظنَّ الناقلُ أنَّ الحكمَ كان يستندُ إلى قضايا النجوم وأحكامها، وقد برَّأ الله مَن هو دون الشافعيِّ من ذلك الهذيان، فكيف بمثل الشافعيِّ ﵀ في عقله وعلمه ومعرفته حتى يَرُوجَ عليه هذيانُ

  1. (١) أخرجها البيهقي (٢/ ١٢٥، ١٢٦) من طريق الحاكم. وعبد الرحمن بن الحسن بن أحمد الأسدي، الهمذاني، أبو القاسم (ت: ٣٥٢)، متهمٌ بالكذب. انظر: «تاريخ بغداد» (١٠/ ٢٩٢)، و«تاريخ الإسلام» (٨/ ٤٦)، و«اللسان» (٣/ ٤١١).
    وأخرجها البيهقي من وجهٍ آخر عن الساجي. وفيه من لم أعرفه.
    وأخرجها أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٧٧) من طريق عمرو بن عثمان المكي عن ابن بنت الشافعي عن أبيه بالقصة. ورواته ثقات.
  2. (٢) قد صرَّح بأنه يرويه عن أبيه كما ترى، وأبوه محمد بن عبد الله بن محمد بن العباس، صحب الشافعيَّ، وروى عنه، وتزوَّج ابنته. وأظنُّ المصنف ﵀ ذهب وهمُه إلى أن ابن بنت الشافعي هو محمد. وإنما هو أحمد بن محمد.
1447

المنجِّمين الذي لا يروجُ إلا على جاهلٍ ضعيف العقل؟!

وتنزُّه الشافعيِّ١ ﵀ عن هذا هو الذي ينبغي أن يكونَ من مناقبه، فأمَّا أن يُذْكَر في مناقبه أنه كان منجِّمًا يرى القول بأحكام النجوم ويصحِّحها٢، فهذا فعلُ من يَذُمُّ بما يظنُّه مدحًا!

وإذا كان الشافعيُّ شديدَ الإنكار على المتكلِّمين، مُزْريًا بهم، حكمُه فيهم أن يُضرَبوا بالجَرِيد، ويُطافَ بهم في القبائل٣، فماذا رأيه في المنجِّمين؟! وهو أجلُّ وأعلمُ من أن يحكُمَ بهذا الحكم على أهل الحقِّ ومَن قضاياهم في الصِّدق تنتهي إلى الحدِّ الذي ذُكِر في هذه الحكايات٤.

فذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم والحاكمُ وغيرهما عن الحُميدي، قال: قال الشافعي: خرجتُ إلى اليمن في طلب كتب الفراسة، حتى كتبتُها وجمعتُها، ثمَّ لما كان انصرافي مررتُ في طريقي برجلٍ وهو مُحْتَبٍ بفناء داره، أزرقِ العين، ناتاء الجبهة، سِنَاط٥، فقلتُ له: هل من منزل؟ قال: نعم. قال الشافعي: وهذا النَّعتُ أخبثُ ما يكونُ في الفراسة. فأنزلَني، فرأيتُ أكرمَ رجل؛ بعَث إليَّ بعشاءٍ وطِيبٍ وعَلَفٍ لدوابِّي وفراشٍ ولِحَاف، فجعلتُ أتقلَّبُ الليلَ أجمَع، ما أصنعُ بهذه الكتب؟! فلمَّا أصبحتُ قلتُ

  1. (١) (د، ق): «وتنزيه الشافعي».
  2. (٢) (ق): «وتصحيحها».
  3. (٣) أخرجه البيهقي في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٢٦)، والهروي في «ذم الكلام» (١١٤٢)، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ١١٦).
  4. (٤) أي: لو كانت صحيحة. فهذا يدلُّ على بطلانها.
  5. (٥) لا لحية له. «اللسان» (سنط).
1448

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي