مفتاح دار السعادة

المنجِّمين الذي لا يروجُ إلا على جاهلٍ ضعيف العقل؟!

وتنزُّه الشافعيِّ١ ﵀ عن هذا هو الذي ينبغي أن يكونَ من مناقبه، فأمَّا أن يُذْكَر في مناقبه أنه كان منجِّمًا يرى القول بأحكام النجوم ويصحِّحها٢، فهذا فعلُ من يَذُمُّ بما يظنُّه مدحًا!

وإذا كان الشافعيُّ شديدَ الإنكار على المتكلِّمين، مُزْريًا بهم، حكمُه فيهم أن يُضرَبوا بالجَرِيد، ويُطافَ بهم في القبائل٣، فماذا رأيه في المنجِّمين؟! وهو أجلُّ وأعلمُ من أن يحكُمَ بهذا الحكم على أهل الحقِّ ومَن قضاياهم في الصِّدق تنتهي إلى الحدِّ الذي ذُكِر في هذه الحكايات٤.

فذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم والحاكمُ وغيرهما عن الحُميدي، قال: قال الشافعي: خرجتُ إلى اليمن في طلب كتب الفراسة، حتى كتبتُها وجمعتُها، ثمَّ لما كان انصرافي مررتُ في طريقي برجلٍ وهو مُحْتَبٍ بفناء داره، أزرقِ العين، ناتاء الجبهة، سِنَاط٥، فقلتُ له: هل من منزل؟ قال: نعم. قال الشافعي: وهذا النَّعتُ أخبثُ ما يكونُ في الفراسة. فأنزلَني، فرأيتُ أكرمَ رجل؛ بعَث إليَّ بعشاءٍ وطِيبٍ وعَلَفٍ لدوابِّي وفراشٍ ولِحَاف، فجعلتُ أتقلَّبُ الليلَ أجمَع، ما أصنعُ بهذه الكتب؟! فلمَّا أصبحتُ قلتُ

  1. (١) (د، ق): «وتنزيه الشافعي».
  2. (٢) (ق): «وتصحيحها».
  3. (٣) أخرجه البيهقي في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٢٦)، والهروي في «ذم الكلام» (١١٤٢)، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ١١٦).
  4. (٤) أي: لو كانت صحيحة. فهذا يدلُّ على بطلانها.
  5. (٥) لا لحية له. «اللسان» (سنط).
1448

للغلام: أَسْرِجْ، فأَسْرَجَ، فركبتُ ومررتُ عليه، وقلتُ له: إذا قَدِمْتَ مكة ومررتَ بذي طُوى فاسأل عن منزل محمد بن إدريس الشافعي، فقال لي الرجل: أمولى لأبيك أنا؟ قلتُ: لا، قال: فهل كانت لك عندي نعمة؟ قلتُ: لا، قال: فأين ما تكلَّفتُ لك البارحة؟! قلتُ: وما هو؟ قال: اشتريتُ لك طعامًا بدرهمين، وأُدْمًا بكذا، وعطرًا بثلاثة دراهم، وعلفًا لدوابِّك بدرهمين، وكِرى الفراش واللِّحاف درهمان. قال: قلتُ: يا غلام، فهل بقي شيء؟ قال: كِرى المنزل، فإني وسَّعتُ عليك وضيَّقتُ على نفسي. فغَبِطتُ نفسي بتلك الكتب، فقلتُ له بعد ذلك: هل بقي شيء؟ قال: امضِ أخزاك الله، فما رأيتُ أشرَّ منك!١.

وقال الربيع: اشتريتُ للشافعي طِيبًا بدينار، فقال لي: ممَّن اشتريتَه؟ فقلت: من ذلك الأشقَر الأزرق، فقال: أشقرُ أزرق! اذهبْ فردَّه٢.

وقال الربيع: مرَّ أخي في صَحْن الجامع، فدعاني الشافعيُّ فقال لي: يا ربيع، انظُر إلى الذي يمشي هذا أخوك؟ قلت: نعم، أصلحك الله، قال: اذهب. ولم يكن رآه قبل ذلك٣.

قال قتيبة بن سعيد: رأيتُ محمد بن الحسن والشافعيَّ قاعدَين بفناء الكعبة، فمرَّ رجل، فقال أحدهما لصاحبه: تعال نَزْكَنْ٤ على هذا المارِّ أيَّ

  1. (١) أخرجه ابن أبي حاتم في «آداب الشافعي ومناقبه» (١٢٩)، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ١٤٤)، والبيهقي في «مناقب الشافعي» (٢/ ١٣٤).
  2. (٢) «آداب الشافعي ومناقبه» (١٣١)، و«الحلية» (٩/ ١٤٠).
  3. (٣) «مناقب الشافعي» للبيهقي (٢/ ١٣١).
  4. (٤) نتفرَّس. وفي (ت، ق): «نركز». والمثبت من (د) و«المناقب».
1449

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي